وقال الإمام ابن القيم-رحمه الله-معلقًا على الآية ومبينا أوجه دلالتها على وجوب التسليم لله-عز وجل- ولرسوله-صلى الله عليه وسلم-: (( فأقسم-سبحانه- بأجل مقسم به-وهو نفسه عز وجل- على أنهم لا يثبت لهم الإيمان، ولا يكونون من أهله؛ حتى يحكموا رسوله-صلى الله عليه وسلم- في جميع موارد النزاع، وهو كل ما شجر بينهم من مسائل النزاع، في جميع أبواب الدين؛ فإن لفظة «ما» من صيغ العموم؛ فإنها موصولة، تقتضي نفي الإيمان إذ لم يوجد تحكيمه في جميع ما شجر بينهم، ولم يقتصر على هذا حتى ضم إليه انشراح صدورهم بحكمه، حيث لا يجدون في أنفسهم حرجا-وهو الضيق والحصر- من حكمه، بل يتلقوا حكمه بالانشراح، ويقابلوه بالتسليم، لا أنهم يأخذونه على إغماض، ويشربونه على أقذاء؛ فإن هذا مناف للإيمان، بل لا بد أن يكون أخذه بقبول ورضى وانشراح صدر، ومتى أراد العبد أن يعلم منزلته من هذا فلينظر في حاله، وليطالع قلبه عند ورود حكمه على خلاف هواه وغرضه، أو على خلاف ما قلد فيه أسلافه من المسائل الكبار وما دونها، چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ القيامة: 14 - 15.
فسبحان الله كم من حزازة في قلوب كثير من الناس من كثير من النصوص، وبودهم أن لم ترد، وكم من حزازة في أكبادهم منها، وكم من شجى في حلوقهم منها ومن موردها، ستبدو لهم تلك السرائر بالذي يسوء ويخزي يوم تبلى السرائر، ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم إليه قوله-تعالى-: چ ? ? ? چ النساء: 65، فذكر الفعل مؤكدا له بمصدره القائم مقام ذكره مرتين، وهو الخضوع له، والانقياد لما حكم به طوعا ورضى وتسليمًا، لا قهرًا ومصابرة، كما يسلم المقهور لمن قهره كرهًا، بل تسليم عبد محب مطيع لمولاه وسيده الذي هو أحب شيء إليه، ويعلم أن سعادته وفلاحه في تسليمه إليه، ويعلم بأنه أولى به من نفسه، وأبر به منها، وأرحم به منها، وأنصح له منها، وأعلم بمصالحه منها، وأقدر على تخليصها.