فمتى علم العبد هذا من الرسول-صلى الله عليه وسلم-؛ استسلم له وسلم إليه، وانقادت له كل ذرة في قلبه، ورأى أنه لا سعادة له إلا بهذا التسليم والانقياد )) [1]
وبهذا كانت هذه الآية وما تضمنته من ضرورة التسليم للرسول - صلى الله عليه وسلم - مع انتفاء الحرج وضيق الصدر من حكمه اختبارًا لصدق الإيمان بالله ورسوله، ومن خلالها يعرف صدق العبودية لله-عزوجل-، فمتى وجد العبد في نفسه حرجا وضيقًا من حكم الله - عز وجل - وحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، أو من خبر الله وخبر رسوله-صلى الله عليه وسلم-؛ أو من أمر الله ورسوله أو نهيهما؛ فليعلم أن إيمانه مشوب، وأنه لم يحقق الإيمان الذي أوجبه الله-تعالى-عليه.
قال الإمام ابن حزم-رحمه الله-: (( هذه كافية لمن عقل وحذر وآمن بالله واليوم الآخر، وأيقن أن هذا العهد عهد ربه تعالى إليه، ووصيته عزوجل الواردة عليه، فليفتش الإنسان نفسه فإن وجد في نفسه مما قضاه رسول الله-صلى الله عليه وسلم- في كل خبر يصححه مما قد بلغه، أو وجد نفسه غير مُسَلِّمةٍ لما جاء عن النبي-صلى الله عليه وسلم-، ووجد نفسه مائلة إلى قول فلان وفلان، أو إلى قياسه واستحسانه، أو وجد نفسه تُحَكِّمُ فيما نازعت فيه أحدًا دون رسول الله-صلى الله عليه وسلم- من صاحب فمن دونه؛ فليعلم أن الله تعالى قد أقسم-وقوله الحق- أنه ليس مؤمنًا، وصدق الله تعالى، وإذا لم يكن مؤمنًا فهو كافر، ولا سبيل إلى قسم ثالث ) ) [2]
وقيل إن هذه الآية تضمنت بيان مقامات الدين الثلاث، وهي مقام الإسلام والإيمان، والإحسان.
(( فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان، فمن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها ) ) [3] .
(1) الرسالة التبوكية- (ص:24-26 )
(2) الإحكام في أصول الأحكام 1/ 111.
(3) انظر: تفسير السعدي ص: 185.