في هذا الحديث إيجاب القبول عن الله ورسوله فورًا، والاستجابة لما جاء به النبي- صلى الله عليه وسلم- مطلقًا، ووجوب الاكتفاء به عن كل ما سواه، والنهي عن تكلف السؤال عما لم يقع مع الإعراض عن المشروع المأمور به، وبيان أن ذلك سبب هلاك الأمم السالفة، كما حدث لبني إسرائيل في شأن البقرة؛ حيث إنهم لم يبادروا إلى امتثال الأمر والتسليم لله-تعالى- فيه، بل تشاغلوا بالأسئلة الكثيرة، على وجه التعنت، وبقصد التحايل والهروب من تنفيذ الأمر الإلهي؛ فكان فعلهم ذلك سببا في التشديد عليهم، وتكليفهم بما يشق عليهم القيام به.
وقد جاء في الأثر عن ابن عباس-رضي الله عنهما- أنه قال: (( لو اعترض بنوا إسرائيل أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم ) ) [1]
قال الحافظ ابن رجب-رحمه الله-: (( وأشار - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث إلى أن في الاشتغال بامتثال أمره، واجتناب نهيه شغلا عن المسائل، فقال: (( إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) )فالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام: أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم يجتهد في فهم ذلك والوقوف على معانيه، ثم يشتغل باالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية، وإن كان من الأمور العملية؛ بذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر واجتناب ما ينهى عنه، وتكون همته مصروفة بالكلية إلى ذلك، لا إلى غيره، وهكذا كان حال أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين لهم بإحسان في طلب العلم النافع من الكتاب والسنة ... )) [2] .
(1) أخرجه ابن جرير في تفسيره 2/ 78- 79، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 215-216،-بإسناد حسن كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح 13/ 320- والبيهقي في سننه 6/ 220، عن عبيدة السلماني، وسعيد بن منصور في سننه 2/ 565، عن عكرمة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم.
(2) جامع العلوم والحكم 1/ 244.