وقال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-: (( وفي الحديث إشارة إلى الاشتغال بالأهم المحتاج إليه عاجلًا عما لا يحتاج إليه في الحال، فكأنه قال: عليكم بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فاجعلوا اشتغالكم بها؛ عوضا عن الاشتغال بالسؤال عما لم يقع، فينبغي للمسلم أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله، ثم يجتهد في تفهم ذلك والوقوف على المراد به، ثم يتشاغل بالعمل به، فإن كان من العلميات يتشاغل بتصديقه واعتقاد أحقيته، وإن كان من العمليات بذل وسعه في القيام به فعلا وتركًا، فإن وجد وقتا زائدا على ذلك؛ فلا بأس بأن يصرفه في الاشتغال بتعرف حكم ما سيقع؛ على قصد العمل به أن لو وقع، فأما إن كانت الهمة مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع، مع الإعراض عن القيام بمقتضى ما سمع فإن هذا مما يدخل في النهي، فالتفقه في الدين إنما يحمد إذا كان للعمل لا للمراء والجدال ) ) [1]
وفيما سبق من كلام هذين الإمامين الجليلين شرح وبيان لصورة التسليم التي دل عليها هذا الحديث الشريف.
والحاصل: أن هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي جاءت على منواله دالة نصاًّ، على أنه لا خيار للعبد عند ورود الأمر أو النهي من الله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يسعه غير التسليم لمقتضى ما ورد، إن كان فعلا بادر إلى الامتثال، أو تركا بادر إلى الانزجار والانتهاء، أو خبرًا بادر إلى التصديق، ولما كان التشاغل بالأسئلة والافتراضات يشعر بضعف التسليم للشرع، ويثبط عن العزم على الامتثال، وربما كان ذريعة للشيطان لإلقاء الشكوك في القلب وتزيين القعود عن العمل؛ طلبًا للحكمة؛ نهى الشارع عن ذلك، وبين أنه-مع كونه من خوارم العبودية- سبب للهلاك العاجل.
الوجه الثاني:
غضب النبي صلى الله عليه وسلم
إن وقع تردد أو عدم مبادرة إلى امتثال أمره
(1) فتح الباري 13/ 324