الصفحة 72 من 429

ومن ذلك ما جاء في الصحيح من حديث المسور بن مخرمة ومروان- رضي الله عنهما- أن النبي-صلى الله عليه وسلم- بعد انقضاء كتابة وثيقة الصلح الذي كان بينه وبين المشركين في الحديبية- قال لأصحابه-رضي الله عنهم-: (( قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة-رضي الله عنها- فذكر لها ما لقي من الناس ) ) [1] أي من عدم استجابتهم لما أمرهم به من نحر الهدي وحلق الرؤوس والتحلل من الإحرام.

وذلك لأن بعض الصحابة-ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه- وجدوا في أنفسهم شيئًا من بعض ما تم الاتفاق والمصالحة عليه بين النبي-صلى الله عليه وسلم- وبين وفد المشركين، إضافة إلى صد المشركين إياهم عن الوصول إلى البيت الذي جاؤوا من أجله، ورأوا أن في ذلك قبولًا منهم للدنية، وشق ذلك عليهم، وكرهوا إمضاءه والقبول له [2] حتى ولو كان البديل عن ذلك هو الحرب!!؛ لكونهم لم يعلموا بما فيه من المصالح العظيمة، وحسن العاقبة التي ترتبت على هذا الصلح.

(1) صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد، ح:2731، 2732، (5/ 407 ) من فتح الباري.

(2) قال الإمام السجزي-رحمه الله-: (( وقد كره عمر بن الخطاب-رضي الله عنه مع جلالته- الصلح يوم الحديبية، واستعظم رد المسلمين على الكفار، وكان ذلك من طريق العقل، حتى قال له النبي-صلى الله عليه وسلم-: (( تراني قد رضيت يا عمر وتأبى ؟! ) )فانتبه عند ذلك عمر وسكت؛ علما منه أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- مفترض الطاعة، ولأنه لا ينطق عن الهوى، وأن الوحي لا يقابل بالعقل )) . رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت، ص:134-135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت