قال البراء بن عازب-رضي الله عنه-: (( خرج رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، قال فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة، قال: (( اجعلوا حجكم عمرة ) )قال: فقال الناس: يا رسول الله، قد أحرمنا بالحج، فكيف نجعلها عمرة؟! قال: (( انظروا ما آمركم به فافعلوا ) )فردوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق حتى دخل على عائشة-رضي الله عنها- غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: من أغضبك أغضبه الله؟ قال: (( وما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع ) ) [1]
والشاهد هنا: أن حصول الغضب منه-صلى الله عليه وسلم- في هذه المواقف، وتعليله لغضبه بما حصل منهم من عدم المبادرة لامتثال أمره-عليه الصلاة والسلام-؛ يدل على أنهم فعلوا أمرًا مذموما شرعًا؛ أوجب الغضب عليهم من جهة الشارع، وهو هنا: تركهم المبادرة إلى التسليم له والانقياد لأمره، ورفضهم لأمر رضي به هو، فدل هذا على وجوب التسليم لأمر النبي-صلى الله عليه وسلم- في جميع الأحوال؛ كيف لا وهو مؤيد بالوحي من ربه سبحانه [2] وأن مخالفة أمره انتهاك لحرمة من حرمات الله-عزوجل-؛ إذ إنه-صلى الله عليه وسلم- لا يغضب لنفسه، وإنما يغضب إذا انتهكت حرمة من حرمات الله تعالى.
(1) أخرجه أحمد في المسند برقم: (18523) 30/ 487، وابن ماجة في سننه، كتاب المناسك، باب فسخ الحج، ح: ( 2982) ، 2/ 993، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 233، ونسبه لأبي يعلى، وقال: رجاله رجال الصحيح.
(2) قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله- في شرح حديث قصة صلح الحديبية: (( وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم...- إلى أن قال-: وأن التابع لا يليق به الاعتراض على المتبوع بمجرد ما يظهر في الحال بل عليه التسليم؛ لأن المتبوع أعرف بمآل الأمور غالبا بكثرة التجربة، ولاسيما مع من هو مؤيد بالوحي ) )فتح الباري 5/ 432.