الصفحة 80 من 429

فهؤلاء الرهط من الصحابة-رضي الله عنهم وأرضاهم- لا يُشك في أن الباعث لهم على ما أرادوا الإقدام عليه من ترك النوم، والفطر، والنكاح، هو رغبتهم في الخير، وتحمسهم للعبادة، وترك كل ما يشغلهم عنها من الصوارف، ومع هذا لم يكن ذلك بنافع ولا شافعٍ لهم في ترك الانقياد للسنة والالتزام بها، بعد علمهم بها، بل عرضهم للوعيد الذي تضمنه قول النبي-صلى الله عليه وسلم-: (( فمن رغب عن سنتي فليس مني ) )؛ إذ في هذا إعلان البراءة ممن رغب عن الانقياد للسنة، ولو مع حسن النية، ومقتضى ذلك خروجه عن اتباع السنة، والتزام طريقة النبي-صلى الله عليه وسلم-؛ فيذهب عمله سدى هباء، مهما عظم وحسن في نظره، أو خروجه من الملة بالكلية!!؛ وذلك أن الراغب عن سنة النبي-صلى الله عليه وسلم- لا يخلو من حالين:

إحداهما: أن تكون الرغبة عن السنة بضرب من التأويل يعذر صاحبه فيه؛ فيكون معنى قوله-عليه الصلاة والسلام-: (( فليس مني ) )أي: ليس على طريقتي، ولا يلزم من ذلك أن يخرج من الملة.

الثانية: أن تكون إعراضا وتنطعا يفضي بصاحبه إلى اعتقاد أرجحية عمله على ما شرعه رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-، فيكون معنى قوله: (( فليس مني ) ): ليس على ملتي؛ لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر [1]

المطلب الثالث:

دلالة فهم السلف الصالح على وجوب التسليم لله عزوجل

ولرسوله صلى الله عليه وسلم

(1) فتح الباري 9/ 133 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت