إن المتتبع لسير سلف هذه الأمة وأئمتها-وفي مقدمتهم الصحابة رضي الله عنهم- يجد أنهم فهموا من النصوص الشرعية الواردة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم- وجوب التسليم لله-عزوجل- ولرسوله-عليه الصلاة والسلام-، سواء في الأوامر والنواهي، أو في الأحكام والأخبار، وجعلوا ذلك جزءا من الدين لا يقوم بدونه، وأصلا من الأصول المحكمة، والثوابت المقررة التي لا مساومة فيها ولا عذر لأحد في تركه [1] .
ولهذا فقد اشتد إنكارهم على من أخل بذلك، أو اتصف بما يضاده من قول أو فعل أو حال، أياًّ كان الباعث له على ذلك، ولاشك في أن فهمهم حجة على من بعدهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- في بيان مسلك السلف-رحمهم الله- تجاه ما جاءهم عن الله تعالى وعن رسوله-صلى الله عليه وآله وسلم-: (( جعل القرآن إماما يؤتم به في أصول الدين وفروعه هو دين الإسلام، وهو طريق الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين، فلم يكن هؤلاء يقبلون من أحد قط أن يعارض القرآن بمعقول، أو رأي يقدمه على القرآن ... ولهذا كان الأئمة الأربعة وغيرهم يرجعون في التوحيد والصفات إلى القرآن والرسول، لا إلى رأي أحد ولا معقوله ولا قياسه ) ) [2]
ويقول الإمام ابن عقيل-رحمه الله-: (( ... وما عرفنا للسلف الصالح أعمال هؤلاء الصوفية، بل كانت أحوالهم الجد لا الهزل، ولا أحوال المتكلمين: لا التكشف ولا البحث، بل كانوا عبيد تسليم وتحكيم في المعتقدات، وجد وتشمير في الأعمال والطاعات ... ) ) [3]
(1) قال الإمام ابن القيم-رحمه الله-: (( من تأمل سيرة القوم رأى أنهم كانوا إذا ظهرت لهم السنة لم يكونوا يدعونها لقول أحد كائنا من كان ) )إعلام الموقعين 2/ 238، وانظر القول المفيد للشوكاني، ص:27.
(2) مجموع الفتاوى 16/471- 472
(3) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، في درء تعارض العقل والنقل 8/ 65.