الصفحة 82 من 429

فهذا منهج السلف وهذه طريقتهم في القبول والانقياد والخضوع لما يأتيهم عن ربهم-جل وعلا-، أو عن رسوله-صلى الله عليه وآله وسلم-، كانوا يتلقونه بالإيمان والإذعان، والتسليم والتعظيم، لا بالجدال والخصومات والإيرادات، وإثارة الشكوك والشبهات، وينقطعون من أجله عن الآراء والمعقولات، والقياسات والسياسات والعادات [1] ؛

(1) وقد أثر عنهم في مواقف عدة رجوعهم عن آرائهم وأقوالهم واجتهاداتهم؛ إذا بلغتهم السنة الصحيحة بخلافها، والمبادرة إلى الأخذ بالسنة، والعمل بها من غير تردد ولا تحايل، ولا انتظار لرأي فلان أو علان، كائنا من كان، ومن الأمثلة على ذلك:

1-ما رواه ابن عمر-رضي الله عنهما- أن أبابكر وعمر وناسا من أصحاب النبي-صلى الله عليه وسلم- جلسوا بعد وفاة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم علم ينتهون إليه، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو بن العاص-رضي الله عنهما- أسأله عن ذلك فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم فأنكروا ذلك، وتواثبوا عليه جميعًا حتى أتوه في داره فأخبرهم أنهم تحدثوا عند النبي-صلى الله عليه وسلم- أن ملكا من بني إسرائيل أخذ رجلا فخيره بين أن يشرب خمرا أو يقتل نفسا أو يأكل لحم الخنزير أو يقتله إن أبى، فاختار شرب الخمر، وأنه لما شربها لم يمتنع من شيء أرادوه منه، وأن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قال لنا مجيبًا: (( ما من أحد يشربها فيقبل الله منه صلاة أربعين يوما، ولا يموت وفي مثانته منها شيء إلا حرمت عليه الجنة، وإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية ) )أخرجه الحاكم في مستدركه 4/ 163، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط 1/ 116، قال المنذري: رواه الطبراني بإسناد صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. الترغيب والترهيب 3/ 179. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح خلا صالح بن داود التمار وهو ثقة. مجمع الزوائد 5/ 68، قال عبد الله الحميدي: فلم ينكروا ذلك على عبد الله بن عمرو بعد أن أخبرهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالذي أخبر، بل سلموا بعد إنكارهم.

2-ما رواه سعيد ابن المسيب-رحمه الله- أن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا، حتى قال له الضحاك بن سفيان الكلابي-رضي الله عنه- (( كتب إلي رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها ) )، فرجع عمر-رضي الله عنه- عن قوله لما سمع الحديث. أخرجه أحمد في المسند 25/22، وأبو داود في سننه، كتاب الفرائض، 3/ 339، والترمذي في سننه، كتاب الديات 4/ 27، وابن ماجة 2/ 883.

3-قول عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-: (( كنا لا نرى بالخَِبر- بأسا حتى كان عام أول فزعم رافع أن نبي الله-صلى الله عليه وسلم- نهى عنه ) )أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البيوع، باب كراع الأرض، 10/ 201، من (شرح النووي) .

والخبر:-بفتح الخاء أو كسرها- والكسر أصح وأشهر، وهو بمعنى المخابرة، انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 10/ 201.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت