وروى مسلم في صحيحه عن سالم عن ابن عمر-رضي الله عنهما- أيضا أنه حدث عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (( لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها ) )فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعنهن!! قال-أي سالم- فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا!! ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وتقول: والله لنمنعنهن!! [1]
قال الإمام النووي-رحمه الله-: (( فيه تعزير المعترض على السنة والمعارض لها برأيه ) ) [2]
والظاهر: أن بلال بن عبد الله-رحمه الله-لم يكن هذا منه بقصد الاعتراض على السنة، ومعارضتها برأيه وهواه، وإنما كان على سبيل الحرص على صيانة الأعراض، والغيرة على المحارم، ومع أن هذا أيضًا مما أمر به الشارع وحث عليه؛ بيد أنه كان في غير محله، ولهذا اشتد غضب ابن عمر عليه؛ لتخليه عن واجب التسليم والانقياد لله تعالى ولرسوله-صلى الله عليه وسلم-، ولو كان ذلك مع حسن النية ونزاهة القصد.
وعن عمران بن حصين-رضي الله عنهما- أنه حدث عن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-أنه قال: (( الحياء خير كله، أو قال: الحياء كله خير ) )فقال له بشير بن كعب: إنا نجد في بعض الكتب أو الحكمة أن منه سكينة ووقارًا ومنه ضعف!! فغضب عمران- رضي الله عنهما- حتى احمرتا عيناه، وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وتعارض فيه، قال الراوي فأعاد عمران الحديث قال: فأعاد بشير؛ فغضب عمران، قال فما زلنا نقول فيه إنه منا يا أبا نجيد، إنه لا بأس به [3]
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة ... ، صحيح مسلم مع شرح النووي 4/ 161.
(2) شرح صحيح مسلم 4/ 162
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان 2/ 7.