الصفحة 88 من 429

والشاهد في قولها لها: (( أحرورية أنت؟! ) )فإنها قالت ذلك على وجه الإنكار، والتقبيح لمثل هذا السؤال في وجه السنة الثابتة، التي جاءت بالتفريق بين الحالتين، وبيان أن مثل هذه الأسئلة إنما تصدر من أهل الأهواء المشاققين، مثل الحرورية، لا من أهل الاتباع المنقادين، رضي الله عنهم أجمعين.

قال الإمام النووي-رحمه الله-: (( فمعنى قول عائشة- رضي الله عنها-: أن طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة زمن الحيض، وهو خلاف إجماع المسلمين، وهذا الاستفهام الذي استفهمته عائشة-رضي الله عنها- هو استفهام إنكار، أي أن هذه طريقة الحرورية وبئست الطريقة ) ) [1]

وقال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-: (( ... وأنكرت عليها عائشة-رضي الله عنها- السؤال، وخشيت عليها أن تكون تلقنته من الخوارج، الذين جرت عادتهم باعتراض السنن بآرائهم، ولم تزدها على الحوالة على النص، وكأنها قالت لها: دعي السؤال عن العلة إلى ما هو أهم من معرفتها، وهو الانقياد إلى الشارع ) ) [2]

ومن هنا يعلم أن الواجب في مثل هذا التشريع الذي لا يظهر فيه وجه الحكمة: هو الانقياد للشارع، والتعبد المحض لله-تعالى- بالتصديق والتسليم والامتثال، دون الاشتغال بالتنقير عن العلل؛ فإن ذلك يوهن في القلب فريضة التسليم، ويجعل العبد مستسلما للعلل التي توصل إليها بظنه أو وهمه، لا لله تعالى ورسوله!!.

على أن غالب تلك العلل التي يتكلف الناس استخراجها وإدارة الأحكام معها وجودا وعدما، إنما هي مبنية على ظنون وتوهمات، ليسوا فيها على بينة ويقين، ولهذا يكثر اختلافهم فيها، وتخطئة بعضهم بعضا في التعليل بها.

(1) شرح صحيح مسلم 4/ 27.

(2) فتح الباري 4/ 244

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت