وروى شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني-رحمه الله- أن أبا معاوية الضرير [1] -رحمه الله-كان يحدث هارون الرشيد-الخليفة العباسي الشهير-رحمه الله- فحدثه بحديث أبي هريرة-رضي الله عنه: (( احتج آدم وموسى ) ) [2] فقال علي بن جعفر: كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما؟! قال: فوثب به هارون-رحمه الله- وقال: يحدثك عن الرسول-صلى الله عليه وسلم- وتعارضه بكيف؟! فما زال يقول حتى سكت عنه.
قال الصابوني-رحمه الله-معلقًا على هذه القصة، ومشيدًا بهذا الموقف الحازم الذي وقفه الرشيد-رحمه الله- ممن اعترض على خبر الرسول-صلى الله عليه وسلم-:
(( هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-، ويقابلها بالقبول والتسليم والتصديق، وينكر أشد الإنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد-رحمه الله- مع من اعترض على الخبر الصحيح الذي سمعه بـ(كيف) ؟! على طريق الإنكار له والابتعاد عنه، ولم يتلقه بالقبول، كما يجب أن يتلقى جميع ما يرد من الرسول-صلى الله عليه وسلم- )) [3] .
واشتهر عن الإمام الشافعي-رحمه الله- قوله: (( أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس ) ) [4]
(1) هو محمد بن خازم مولى بني سعد بن زيد مناة بن تميم الإمام الحافظ الحجة صاحب الأعمش، وأعلم الناس بأحاديثه، وقد لزمه عشرين سنة، وكان الرشيد يجله ويحترمه، وكان ممن اتهم بالإرجاء توفي سنة 195هـ انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء 9/ 73.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب القدر، باب تحاج آدم وموسى عند الله، ح: 6614، صحيح البخاري مع فتح الباري 11/ 615، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى-صلى الله عليهما وسلم-، (16/ 200 شرح النووي) .
(3) عقيدة السلف أصحاب الحديث ص: 126- 127.
(4) إعلام الموقعين 1/ 7، 2/ 282.