أو بين المتواتر والآحاد في أمور الاعتقاد، بأعذار وتبريرات واهية، ليس لها في الشرع اعتبار، ولم يكن يعرفها السلف من الصحابة والتابعين، فيسعنا من ذلك ما وسعهم.
قال الإمام الخلال [1] -رحمه الله- في وصف منهج السلف الصالح، في باب التلقي والقبول عن الله - عز وجل - وعن رسوله-صلى الله عليه وسلم-: (( واعلم أن ترك الخصومة والجدال هو طريق من مضى، لم يكونوا أصحاب خصومة ولا جدال، ولكنهم أصحاب تسليم وعمل، نسأل الله التوفيق لنا ولكم في جميع أمورنا لما يحب ويرضى، وأن يسلمنا وإياكم من كل سوء ... ) ) [2]
ولما كان هذا هو حال الصحابة ومنهجهم في قبول ما جاءهم عن الله - عز وجل - وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - والتسليم لهما، سواء كان ذلك في باب الاعتقاد أو العمل؛ سلمت لهم عقائدهم، وصفا دينهم، وخلصت عبوديتهم لله-عز وجل-، وكان ذلك من أعظم ما أنعم الله به عليهم [3] فلم تحدث في زمنهم هذه البدع والخصومات في الدين، بل كانوا في عصمة منها وعافية، فرضي الله عنهم ورضوا عنه.
وهذه سنة الله تعالى في كل أمة خلت، أعني في جعل السلامة والاستقامة رهينة بالتسليم والقبول المطلق، مشروطة به، والضلال والهلاك معلقًا بالخصومات والجدال في الدين.
(1) هو: أبوبكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد البغدادي، الإمام العلامة الحافظ، شيخ الحنابلة وعالمهم في وقته، ولد سنة أربع وثلاثين ومائتين من الهجرة، أو في السنة التي تليها، ورحل إلى فارس، وإلى الشام، والجزيرة، في طلب علوم الإمام أحمد-رحمه الله- وفقهه وفتاويه وأجوبته، فجمعها، وصنفها كتبا وأبوابا، من مؤلفاته: كتاب السنة، الجامع في الفقه، جمعه من كلام الإمام أحمد، كتاب العلل وغيرها، توفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة من الهجرة، ترجمته في: سير أعلام النبلاء 14/ 297.
(2) السنة للخلال 4/ 22
(3) انظر: مجموع الفتاوى 13/ 28.