الصفحة 122 من 476

تضخم قيمة الجماعة

وبارتفاع النرجسية تتضخم قيمة الجماعة حتى تصبح القيمة المطلقة أو الوحيدة. وتتضخم معها وبنفس الدرجة قيمة الفرد. ويأخذ الأمر على هذا المستوى نوعًا من الشعور بالامتلاء والاعتزاز بالانتماء، وحالة من الإحساس بالمنعة. وترتفع درجة الذوبان في الجماعة على المستوى الفردي، بما يتناسب مع مستوى الإحساس بالضعف والعجز وانعدام القيمة. أكثر الأفراد ذوبانًا في الجماعة وتعصبًا لها هم، في معظم الأحوال، أشدهم عجزًا عن الاستقلال والوصول إلى مكانة فردية, وإلى قيمة ذاتية تنبع من شخصيتهم. العلاقة الدمجية، أو الذوبانية داخل الجماعة المغلقة تتصف بالاتكال الشديد على رموز القوة في هذه الجماعة، وعلى عناصر السلطة المادية والنفسية فيها. هذه العناصر تتضخم بدورها بشكل لا واقعي بمقدار الحاجة إلى الإحساس بالأمن والمحبة. كما أن هذه العلاقة نكوصية أساسًا. بمعنى أن الفرد من هؤلاء يبحث، بشكل لا واع، عن العودة إلى العلاقات الدمجية بالأم, مصدر الحب والدفء والحنان والغذاء, ومصدر السلوى، وعامل إبعاد المنغصات الحياتية. الجماعة المغلقة ذات الدلالة الإيجابية ومرجع تعريف الذات وتوكيدها, هي الأُم بعينها, الأُم المعطاء التي يجب أن تستقطب كل الولاء. ومن هنا التعصب المفرط لتقاليد الجماعة ومعاييرها، وردود الفعل العنيفة ضد كل من يحاول خرقها من الداخل, أو الاعتداء عليها من الخارج.

هذه الظاهرة تشيع كثيرًا في المجتمعات المتخلفة، حيث نجد أينما حللنا جماعات متفاوتة في كبرها، مغلقة على ذاتها، تشد أفرادها إليها بقوة لا تقاوم، وتقوم بينها وبين الجماعات المتجاورة علاقات صراع وعداء وحذر واضطهاد. كل التناقضات الداخلية توجه إلى الجماعات الأخرى التي تستباح عادة إذا سنحت الفرصة في أملاكها وأموالها وأرواحها) [1] .

(1) 1التخلف الاجتماعي ، ص114-116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت