فهرس الكتاب
ويا ليت من يتهم صحابة الرسول ^ بحب الجاه والتعصب للقبيلة والنزوع إلى الأعراف والتقاليد العشائرية أن يدقق في موقف الأنصار هذا؛ كيف قدموا الخلافة التي كانت لقمة سهلة بين أيديهم إلى رجل من قبيلة أخرى بل ومن بلد آخر... فهل بعد هذا يستطيع عاقل أن يتهم الأنصار بالتغاضي عن أمر الرسول ^، ورفض خلافة علي ا، والوقوف بجانب رجل آخر اغتصب حقه.
حقًا استدلالهم يجعل الحكيم حيرانًا، وكأنهم يقولون: إن سارقًا كان يتصدق بما سرق ابتغاء وجه الله!
إذا كان الاستعجال في أمر اختيار الخليفة أمرًا مذمومًا، فلا يوجه اللوم إلا إلى سعد بن عبادة وحده، لا إلى الصحابة كلهم،وإن كنا لا نتجرأ نحن أن نلوم الصحابي الجليل سعد بن عبادة، بعد ما تبين لنا أنه لم تكن هناك أية مؤامرة ولا خديعة ولا مكر-كما يزعمون -وإنما كان اجتهادًا من سعد واقتراحًا قدمه إلى بنيقومه وقبيلته، ولم يكن في الأمر استعجال ولا استغلال للموقف.
فقد كان مجتمعهم مجتمعًا راقيًا تحكمه التربية النبوية، وقد كانوا يرون في الموت رحلة إلى ما لابد منه، ويرجون للميت الخير وكانوا بعيدين كل البعد عن طقوس العزاء وتمزيق الثياب وضرب الصدور وشق الجيوب والصراخ والعويل وغيرها ويرونها من العادات والرسوم الجاهلية، ولم يكن جثمان الرسول ^ مرميًا على الأرض، وإنما انشغل بغسله وتدفينه خيرة أهل بيته. ففي مثل هذه الظروف الهادئة-مع عظم المصيبة-لماذا نلوم سعدًا لو انشغل بأمر آخر؟!
ونتساءل: لماذا لم يحضر علي ا بنفسه إلى الشورى ليقف سدًا منيعًا في وجه تلك المؤامرة المزعومة، كان بإمكانه أن يحضر ويذكر الناس بما كان بينهم وبين رسولهم ^ قبل سبعين يومًا في غدير خم. فلم تكن قضية الشورى وما كان يدور في سقيفة بني ساعدة سرًا لا يعرفه أحد، وكان بإمكانه أن يحضر مثل عشرات آخرين ويدلي برأيه ويطالب بحقه. فهل كان هناك أمر أهم من هذا؟