فهرس الكتاب
فاعلم أن الله أرحم بالولد من أمه وأبيه، كيف لا؟ وهو الذي قد رباه في أحشاء أمه، ولاحظه بعنايته وهو يتحرك في الظلمات في رحمها، ولم يكن لك في ذلك تقديم ولا تأخير.
كيف أسلمت لله تدبير السماوات والأرض ولم تُسلم له تدبير ابنك من بعدك؟!.
فامض يا أخي على رشدك؛ فإن كان ولدك صالحًا فستجمع بينكما الجنان، وإن كان طالحًا فليكن الفراق من الآن، ولعلك إذا رزقك الله الشهادة أن تكون فيه شافعًا فتنقذه من النيران.
وإن كان الذي يصدك هو فراق زوجتك الحسناء!.
فاعلم أنها لو كانت أجمل نساء هذا الزمان، أليس أولها نطفة قذرة؟! وآخرها جيفة نتنة؟! وهي فيما بين ذلك تحمل العذرة؟!.
حيضها يمنعك من وصالها، وعصيانها لك أكثر من طاعتها، إن لم تتزين شانت، وإن لم تتطهر أجيفت، تتنكر لك عند أدنى دني (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك قالت: ما رأيت منك خيرًا قط) [1] .
تريد منها أقذر ما فيها، وتخاف غضبها وتجافيها، وبالجملة فقد خُلقت من ضلع أعوج.
فيا لله العجب؟! كيف تُقعدك هذه عن وصال من خُلقت من نور، ونشأت في القصور، والله لا يجف دم الشهيد حتى تلقاه.
حوراء عيناء، جميلة حسناء، بكر عذراء، كأنها الياقوت، لم يطمثها إنس قبلك ولا جان.
جفنها فاتر، وحسنها باهر، وجمالها زاهر، ودلالها ظاهر، كحيل طرفها، عذب نطقها، كثيرة الوداد، عديمة الملل، قد قصرت طرفها عليك، فلم تنظر إلى سواك.
لو برز ظفرها لطمس بدر التمام، ولو ظهر سوارها ليلا لم يبق في الكون ظلام، ولو اطلعت بين السماء والأرض، لملأ ريحها ما بينهما، ولو تفلت في البحر المالح، عاد كأعذب الماء.
كلما نظرت إليها ازدادت في عينك حسنا، وكلما جالستها زادت إلى ذلك الحسن حسنا، أيجمل بعاقل أن يسمع بهذه ويقعد عن وصالها، كيف وله في الجنة من الحور العين أمثال أمثالها.
وإن كان يصدك الرغبة في طول العمر وكثرة العمل!.
(1) متفق عليه.