ولا خروج على من ولاه الله أمر المسلمين، وصحت له البيعة من أهل الحل والعقد، فهذا يُدان له بالطاعة في غير معصية ولا أثم، ومن غير تقديس ورفعٍ له عن مكانه. (ما لم يكفر كفرًا بواحًا لنا من الله فيه برهان) [1] .
بهذه العقيدة، وعلى هذا الأساس؛ أتجاذب وإياك أطراف الحديث؛ حول فريضة قد عُطلت أو كادت؛ أعني الجهاد في سبيل الله.
يا أخي بارك الله فيك قد استقر عند أهل العلم أن الجهاد نوعان:
جهاد الطلب: وهو قصد الكفار وغزوهم في ديارهم، ولو لم يحصل منهم أي عدوان؛ ليدخلوا في السلم كافة؛ أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، (أو يُقتلوا) [2] ، وهذا الجهاد فرض كفاية باتفاق أهل العلم [3] .
وفرض الكفاية يُشترط فيه إذن الأبوين بالإجماع، ولا يُشترط فيه إذن الدائن للمدين على الصحيح إذا ترك ما يوفي عنه دينه، لخروج عبدالله بن حرام رضي الله عنه يوم أحد، وعليه دين، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بذلك [4] .
أما اشتراط إذن الإمام فقد قال ابن النحاس -رحمه الله-:
(الجهاد بغير إذن الإمام أو نائبه مكروه؛ ولكنه ليس حرامًا، وتُستثنى من الكراهة الحالات التالية:
الأولى: إذا استأذن الواحد أو الجماعة ففات المقصود؛ لأن الجهاد حالة قائمة ماسة لا تنتظر التأخير والاستئذان.
الثانية: إذا عطل الإمام الجهاد، وأقبل هو وجنوده على الدنيا، مما هو مشاهد في هذه الأعصار والأمصار؛ فلا كراهة في الجهاد بغير إذن الإمام؛ لأن الإمام معطل للجهاد والمجاهدون يقومون بالفرض المعطل) [5] ***.
(1) نبه على هذا القيد الشيخ حامد العلي فقال: (وهذا القيد أضبط: ولا خروج على الحاكم الشرعي المتولي أمر المسلمين مالم يكن كفر بواح عليه برهان، ودائمًا التقيد بألفاظ الكتاب والسنة منجاة واستعمال الضوابط المذكورة في النصوص أحكم وأسلم، والله أعلم) انتهى.
(2) نبه الشيخ حامد العلي على هذا القيد.
(3) انظر تهذيب مشارع الأشواق ص 35 وهذا الكتاب من أنفس ما أُلف في فضل الجهاد وقد أكثرت النقل منه.
(4) نفس المرجع ص 36.
(5) تهذيب مشارع الأشواق ص 367.
*** تنبيه مهم: كلام العلماء في وجوب إذن الإمام قد يُحمل على ما لو كان للمسلمين خليفة وإمامٌ واحد، أما وقد تفرقت الأمصار فالأمر مختلفٌ تمامًا.