فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 19

فالله المستعان؛ كيف دُرست آثار الجهاد فلا تُرى، وطُمست أنواره بين الورى، وأعتم ليله بعد أن كان مقمرًا، وأظلم نهاره بعد أن كان نيّرا، وذوى غصنه بعد أن كان مورقًا، وانطفأ حسنه بعد أن كان مُشرقًا.

كيف كرهته النفوس؟! والله سبحانه يقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (البقرة:216) .

كيف وقد أمر الله به المؤمنين فقال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة:29) .

الجهاد الذي لولاه لما عُبد الله في الأرض، ولولا دفع الله المشركين بالمؤمنين؛ لظهر الشرك وطغى، يقول عز من قائل: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: من الآية40) .

الجهاد الذي هو من صميم شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أُمرت أن أُقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) [1] .

وعن سلمة بن نفيل رضي الله عنه قال: بينما أنا جالس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ دخل رجل فقال: يا رسول الله: إن الخيل قد سُيّبت، ووضع السلاح، وقد زعم أقوامٌ أنه لا قتال، وإنه قد وضعت الحرب أوزارها!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كذبوا! الآن جاء القتال! وإنه لا تزال أمة من أُمتي يقاتلون في سبيل الله، لا يضرهم من خالفهم، يُزيغ الله بهم قلوب أقوام، ليرزقهم منهم، يقاتلون حتى تقوم الساعة. لا يزال الخير معقودًا في نواصي الخيل إلى يوم القيامة. تضع الحرب أوزارها حين يخرج يأجوج ومأجوج) [2] .

فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملون أنفسهم على أكفهم، يطلبون الموت في مظانه؛ لإعلاء كلمة الله، حتى من عذره الله منهم كان سبّاقًا للجهاد!.

فعن عطية بن أبي عطية: أنه رأى عبدالله بن أم مكتوم رضي الله عنه - وهو أعمى - يومًا من أيام القادسية، وعليه درع سابغة، يجرها في الصف في ميدان الجهاد [3] .

(1) متفق عليه.

(2) رواه النسائي وأحمد وصححه الألباني في (صحيح النسائي) .

(3) كتاب الجهاد لابن المبارك (1/ 119) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت