أ. د. مصطفى حلمي
سنحاول بنظرة تركيبية أن نعرض لآرائه التي استخلصها مما قدمناه من هذه المحاورة وإن كان قد ذكرها في أكثر من موضع بكتبه المختلفة، وهي تمثل الجانب الإنشائي في الفكر التيمي من هذه المسائل.
إن الأصل المختلف عليه بين المتكلمين النفاة للصفات والأفعال والمثبتين من شيوخ السلف يرجع إلى مسألة أفعال الله تعالى من الكلام ونحوه، وقد ظن النفاة أن إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع لا يتم إلا بإثبات حدوث الجسم أي بالمقدمة الآتية:
"لا يمكن إثبات حدوثه - أي الجسم - إلا بإثبات حدوث ما يقوم به من الصفات والأفعال المتعاقبة ألجأهم ذلك إلى أن ينفوا عن الله صفاته وأفعاله القائمة به المتعلقة بمشيئته وقدرته أو ينفوا بعض ذلك [1] ."
في رأي أبن تيمية أن هذا الأصل أغرى بهم الفلاسفة الدهريين لأنهم تساءلوا عن كيفية حدوث الحادث بلا سبب حادث"وكيف تكون الذات حالها وفحلها وجميع ما ينسب إليها واحدًا من الأزل إلى الأبد يصدر عنها في وقت دون وقت من غير فعل يقوم به ولا سبب حادث" [2] .
للتغلب على هذه الصعوبة، يختار ابن تيمية ما يسميه دليل الافتقار الذي سيتضح لنا من شرحه فيما يلي:
أنه يستبعد المقدمة السابقة التي يحاولون بها إثبات الصانع عن طريق إثبات حدوث الجسم لأن القول بأن"القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده هي دعوى بلا حجة" [3] .
وكذلك فإن صفات الله ثابتة"فلا تسمى أعراضًا" [4] .
ويبطل قول النفاة لظنهم أن الموصوف القائمة به الصفات ليس إلا محدثًا، فإن قولهم من أبطل الباطل، فإنهم يسلمون بأن الله حي، عليم، قدير.
ومن المعلوم أن حيًا بلا حياة، وعليمًا بلا علم، وقديرًا بلا قدرة.. وهذه مكابرة للعقل والشرع واللغة [5] .