فهرس الكتاب
كما تقول الزيارة أيضًا: «واجتباكم للخلافة وَعَصَمَكُمْ من الذنوب» . ونسأل: إذا كان الله قد اجتباهم للخلافة فلماذا لم يُوفّق أكثرهم للخلافة ولماذا اعتبر عليّ عليه السلام في نهج البلاغة أن الخلافة تتم باختيار المهاجرين والأنصار، وقال في رسالته: «وإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وسَمَّوْهُ إِمَامًا كَانَ ذَلِكَ لله رِضًا» ؟ [1] ، والأهم من ذلك أنه عليه السلام أبدى عدم رغبته بالخلافة وعدم حاجته لها، فهل يمكن أن يجتبي الله تعالى الإمام للخلافة فعلًا فيُظهر عدم رغبته بها ويقول: «والله مَا كَانَتْ لِي فِي الْخِلافَةِ رَغْبَةٌ ولا فِي الْوِلايَةِ إِرْبَةٌ» [2] بدلًا من أن ينهض بهذا الواجب الذي اختاره الله له؟!.
كما لا تصحّ عبارة: «وَعَصَمَكُمْ مِنَ الذُّنُوب» لأن أمير المؤمنين (ع) ذاته يقول في إحدى خطبه: «فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ ولا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي إِلا أَنْ يَكْفِيَ الله مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي» [3] . ويقول في «دعاء كميل» : «فتجاوزتُ بعض حدودك وخالفتُ بعضَ أوامركَ» .
علاوة على ذلك إذا قبلنا بعبارة «وَعَصَمَكُمُ الله» واعتبرنا العصمة من إرادة الله التكوينية كانت النتيجةُ أنَّ المعصوم سيكون مجبورًا تكوينيًا على الطاعة وغير قادر على المعصية، فيكون بذلك - من هذه الناحية - مثل النباتات وسائر المخلوقات التي لا خيار لها من أمرها ولا تستطيع أن تعصي مراد الله التكوينيّ منها، وليس في هذا أي فضل للإنسان بل مثل هذا يخالف ما نصَّ عليه القرآن الكريم من أن الله تعالى خلق البشر وجعلهم جميعًا مُخيَّرين وأصحاب إرادة حرّة يختارون من خلالها الطاعة أو العصيان إمَّا شاكرين وإمَّا كفورين.
(1) نهج البلاغة، الرسالة رقم 6.
(2) نهج البلاغة، الخطبة رقم 205.
(3) نهج البلاغة، الخطبة رقم 216.