فهرس الكتاب
فنقول: من الواضح أن قولهم هذا غير صحيح لأن حياة الشهداء لا علاقة لها بعلمهم ومعرفتهم بأحوالنا، لأنه ليس هناك تلازم بين الحياة وبين العلم بكل شيء والإحاطة بكل مكان، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن له علم بما يجري لجيرانه ومجاوريه إلا إذا أعلمه الله أو أخبره الناس بذلك كما حصل عندما قُتل عددٌ كبيرٌ من أصحابه في بئر معونة ولم يدرِ بذلك. وتأخَّرت زوجته عائشة عن القافلة في العودة من سفر بني المصطلق وبقيت في البادية وحدها ولم يكن له علم بذلك، وضاع جمله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن له علم بمكانه، وفي معركة أحد أُصيب بحجر في جبينه وشفته وفكِّه ولو كان له علم مسبق بذلك لأبعد رأسه عن الضربة وانحرف بعيدًا عن الضارب حتى لا?يُصاب بذلك الحجر. وقال الله تعالى: (( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) ) [التوبة:101] ، مما يدلُّ على أن النبيَّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن له علم بنفاق بعض أتباعه، بل كان يعجبه كلام بعضهم دون أن يعلم بذات صدورهم وحقيقة نفاقهم كما قال تعالى: (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ) ) [البقرة:204] .
فإذا لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حالَ حياته عالمًا بكلِّ مكان ولا مطَّلعًا على كلِّ شيء، فالشهداء أيضًا لا يلزم أن يطَّلعوا وهم في حال الحياة البرزخية على كلِّ مكان وكلِّ شيء، وبالتالي فالحياة الأخروية مثلها مثل الحياة الدنيوية لا تستلزم العلم بكلِّ شيء، فاطِّلاع الذاهبين على أحوال الباقين يحتاج إلى برهان ودليل.