الصفحة 47 من 82

وقد اشترك مع شيخ الشيعة النصير الطوسي في ارتكاب هذه الخيانة العظمى زميلان له، أحدهما وزير شيعي وهو محمد بن أحمد العلقمي [1]

(1) هو محمد بن أحمد البغداد عرف بابن العلقمي (656) كان في شبابه من أدباء الشيعة، وتسامح معه أهل السنة فمكنوه من أن يتولى المناصب إلى أن بلغ رتبة الوزراء (يقابله في عصرنا رئيس الوزراء) في فولة بني العباس فوليها أربعة عشر عام، ووثق به المستعصم آخر الخلفاء العباسيين فألقى إليه زمام أموره، ولما دخلت جيوش هولاكو الوثني بلاد إيران أرسل إليه ابن العلقمي يحرضه على قصد بغداد، وكان ابن العلقمي يأمل إذا سقطت الدولة العباسية بمساعيه أن تكون له يد عند هولاكو فيجيبه إلى إقامة إمام أو خليفة من الشيعة، فزحف هولاكو على بغداد في مائتي ألف من التتار والكرج وسائر يأجوج ومأجوج، ومثّل ابن العلقمي دوره في مخادعة الخليفة المستعصم وهوّن عليه الأمر، فلما نزلت جيوش هولاكو في شرقي بغداد وغربيها استأذن ابن العلقمي خليفته بالخروج إليه للتوسط في الصلح، وبعد أن توثق الخبيث لنفسه وكاشف المغيرين. بانحيازه إليهم وخيانته لدولته عاد فزعم للخليفة أن هولاكو يرغب في تزويج ابنته بالأمير أبي بكر ابن الخليفة، وأن يكون الخليفة مع هولاكو كما كانا لخلفاء السابقون مع السلجوقية، ودعا الخليفة وابنه وأعيان الدولة إلى الخروج لزيارة هولاكو، كما دعا العلماء والرؤساء ليحضروا عقد الزواج بزعمه، فلما صاروا في معسكر هولاكو أمر بضرب أعناقهم وبقيت الرعية بلا راع، ثم دخلت يأجوج ومأجو بغداد فوضعت السيوف في الرقاب واستمر القتل والسبي والنهب أربعين يومًا، ويقال أن هولاكو أمر بعد ذلك بإحصاء ضحايا الأمة الإسلامية هناك فزاد عدد من أحصوه من القتلى على ألف ألف وثمانمائة (مليون وثمانمائة ألف) والذي لم يحصره أضعاف ذلك.

وقد وصف تقي الله بن أبي اليسر هذه المجزرة الهمجية بقصيدة منها:

يا زائرين إلى الزوراء لا تفدوا ... فما بذاك الحمى والدار ديار

تاج الخلافة والربع الذي شرفت ... به المعالم قد عفاه اقفار

فكم حريم سبته الترك غاصبه ... وكان من دون ذاك الستر أستار

وكم ذخائر أصحت وهي شائعة ... من النهاب وقد حازته كفار

وكم حدود أقيمت من سيوفهم ... على الرقاب وحطت فيه أوزار

ناديت والسبي مهتموك تجرهم ... إلى السفاح من الأعداء دعار:

يا نار قلبي من نار لحرب وغى ... شبت عليه ووافي الربع إعصار

أما عدو الله ابن العلقمي فخابت آماله كلها في إقامة الملك أو الإمامة للروافض واحتقره هولاكو ورجاله كما يحتقر كل خائن، وصار فيهم كمملوك من المماليك حتى أثر عنه أنه كان ينشد: وجرى القضاء بعكس ما أملته.

ثم مات كمدًا لا رحمه الله. وهذا البلاء الأعظم الذي وقع في دولة الإسلام وأمة المسلمين على يد كفار التتار الوثنيين هو الذي وصفه مؤرخ الشيعة الخونساري بلسان الشماتة والابتهاج معلنًا أنه ومن على شاكلته من طائفته منحازون إلى صفون الكفار ومعادون لجماعة المسلمين. (المنتقى ص 327) ويصف لنا الشيخ عبد الوهاب ابن تقي الدين السبكي صورة من صور المذبحة التي قام بتنفيذها هولاكو بمساعدة الشيعة الرافضة فيقول:

وأما الخليفة فقيل أنه طلبه ليلًا وسأله عن أشياء ثم أمر به ليقتل .. فقيل لهولاكو: أن هذا أريق دمه تظلم الدنيا ويكون سبب خراب ديارك فإنه ابن عم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وخليفة الله في أرضه. فقام الشيطان المبين الحكم نصير الدين الطوسي وقال: يقتل ويراق دمه. وكان النصير من أشد الناس على المسلمين .. فقيل أن الخليفة غم في بساط وقيل رفسوه حتى مات .. ولما جاءوا ليقتلوه صاح صيحة عظيمة .. وقتلوا أمراءه عن آخرهم. ثم مدوا الجسر وبذلوا السيف ببغداد واستمر القتل ببغداد بضعًا وثلاثين يومًا ولم ينج إلا من اختفى. وقيل أن هولاكو أمر بعد ذلك بعدّ القتلى فكانوا ألف ألف وثمانمائة ألف .. إلى أن قال:

ثم طلبت النصارى أن يقع الجهر بشرب الخمر وأكل لحم الخنزير وأن يفعل معهم المسلمون ذلك في شهر رمضا ... فألزم المسلمون بالفطر في رمضان وأكل لحم الخنزير وشرب الخمر ... ودخل هولاكو إلى دار الخليفة راكبًا لعنه الله واستمر على فرسه إلى أن جاء سدة الخليفة وهي التي تتضاءل عندها الأسود ويتناوله سعد السعود كالمستهزئ بها وانتهك الحرم من بيت الخليفة وغيره ... وأعطى دار الخليفة لشخص من النصارى وأريقت الخمور في المساجد والجوامع ومنع المسلمين من الإعلان بالأذان فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. هذه بغداد لم تكن دار كفر قط وجرى عليها هذا الذي لم يقع قط من منذ قامت الدنيا مثله ... وقتل الخليفة وإن كان وقع في الدنيا أعظم منه إلا أنه أضيف له هوان الدين والبلاء الذي لم يختص بل عم سائر المسلمين (طبقات الشافعية 5/ 115) وإن شاء الله تعالى إن كان في العمر بقية سوف نفرد لهذا الحادث الجلل رسالة مستقلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت