فهرس الكتاب
فمن أولاد علي بن أبي طالب ولد سمّاه (أبا بكر) وآخر سمّاه (عمر) وثالث سمّاه (عثمان) وزوّج ابنته أم كلثوم الكبرى لعمر بن الخطاب، وبعد شهادته تزوجها ابن عمها محمد بن جعفر بن أبي طالب فمات عنها فتزوجها أخوه عون بن جعفر فماتت عنده، وعبد الله بن جعفر ذي الجناحين ابن أبي طالب سمّى أحد بنيه باسم (أبي بكر) وسمى ابنًا آخر له باسم (معاوية) ومعاوية هذا أي ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب سمى أحد بنيه (يزيد) لأنه كان يعلم أن يزيد كانت سيرته صالحة، كما شهد بذلك محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب.
فلو كانت البراءة التي يطالبنا بها الشيعة الآن ثمنًا للتقريب بيننا وبينهم تتناول من يريدون منا أن نتناوله، لكان مخطئًا إمامهم الأول عليّ بن أبي طالب في تسمية أولاده أبا بكر وعمر وعثمان، ولكن أكثر خطأ بتزويجه بنته من عمر بن الخطاب [1]
(1) الشيعة تعد هذا الزواج غير صحيح وعلى فرض عند بعض علمائهم فهو زواج تقية وبعضهم يقول: إن الإمام زوّج الفاروق رضي الله عنه جنّيّة تُشبه أم كلثوم، ونستعرض معًا بعض أقوال علمائهم في ذلك الزواج ووصفهم الإمام علي رضي الله عنه بالنقيصة لا يرتضيها وضيع من سفهاء الشيعة فضلًا عن ابن عم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
قال شيخهم المفيد في جواب المسألة العاشرة من المسائل السروية لما سأله السائل عن حكم ذلك التزويج: لو صح لكان له وجهان لا ينافيان مذهب الشيعة في ضلال المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام. أحدهما: أن النكاح إنما هو على ظاهر الإسلام الذي هو الشهادتان والصلاة إلى الكعبة والإقرار بجملة الشريعة وإن كان الأفضل ترك مناكحة من صم إلى ظاهر الإسلام لا يخرجه عن الإسلام إلا أن الضرورة متى قادت إلى مناكحة الضال مع إظهاره كلمة الإسلام زالت الكراهة من ذلك وساغ ما لم يكن في يحتسب مع الاختيار، وأمير المؤمنين عليه السلام كان محتاجًا إلى تأليف وحقن الدماء ورأى أنه إن منع عمر عما رغب فيه من مناكحة بنته أثمر ذلك الفساد في الدين والدنيا وأنه أجاب إليه أعقب ذلك صالحًا في الأمرين فأجابه إلى ملتمسه لما ذكرناه. والوجه الآخر: أن مناكحة الضال لجحد الإمامة وادعائها لمن لا يستحقها حرام إلا أن يخاف الإنسان على دينه ودمه فيجوز له ذلك كما يجوز له إظهار كلمة الكفر المضادة لكلمة الإيمان وكما يحل له الميتة والدم ولحم الخنزير عند الضرورات وإن كان ذلك محرمًا مع الاختيار، وأمير المؤمنين عليه السلام كان مضطرًا إلى مناكحة الرجل (عمر) لأنه يُهدده ويتواعده فلم يأمنه أمير المؤمنين عليه السلام على نفسه فأجابه إلى ذلك ضرورة كما قلنا أن الضرورة توجب إظهار كلمة الكفر حسب ما قدمناه، قال الله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} وليسن ذلك بأعجب من قوم لوط عليه السلام كما حكى الله تعالى عنه بقوله: {هَؤُلاءَ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} فدعاهم إلى العقد عليهم لبناته وهم كفار ضلاّل قد أذن الله تعالى في هلاكهم.
(انظر الاستغاثة في بدع الثلاثة لأبي القاسم الكوفي ص 9 - 94) .
ويقول الجزائري في الأنوار النعمانية ج 1 ص 80:
(إنما الإشكال في تزويج علي عليه السلام أم كلثوم لعمر بن الخطاب وقت تخلفه لأنه قد ظهرت منه المناكير وارتد عن الدين ارتدادًا أعظم من كل من ارتد حتى أنه وردت في روايات الخاصة أن الشيطان يغل بسبعين غلًا من حديد جهنم ويساق إلى المحشر فينظر ويرى رجلًا أمامه تقوده ملائكة العذاب وفي عنقه مائة وعشرون غلًا من أغلال جهنم فيدنوا الشيطان إليه ويقول: ما فعل الشقي حتى زاد علي في العذاب وأنا أغويت الخلق وأوردتهم موارد الهلاك؟ فيقول عمر للشيطان: ما فعلت شيئًا سوى أنني غصبت خلافة علي بن أبي طالب. والظاهر أنه استقل سبب شقاوته ومزيد عذابه ولم يعلم أن كل ما وقع في الدنيا إلى يوم القيامة من المكر والنفاق واستيلاء أهل الجور والظلم إنما هو من فعلته هذه. فإذا ارتد على هذا النحو من الارتداد فكيف ساغ مناكحته وقد حرّم الله تعالى نكاح الكفر والارتداد واتفق عليه علماء الخاصة. فنقول: قد تقصي الأصحاب عن هذا بوجهين: عامّي وخاصي.
أما الأول: فقد استفاض في أخبارهم عن الصادق (ع) لما سئل عن هذه المناكحة. فقال: إنه أول فرج غصبناه.
وتفصيل هذا أن الخلافة قد كانت أعز على أمير المؤمنين من الأولاد والبنات والأزواج والأموال وذلك لأن بها انتظام وإتمام السنة ورفع الجور الحق وموت الباطل وجميع فوائد الدنيا والآخرة فإذا لم يقدر على الدفع عن مثل هذا الأمر الجليل الذي ما تمكن من الدفع عنه زمان معاوية وقد بذل الأرواح وسفك فيه المهج حتى أنه قتل لأجله ستين ألفًا في معركة صفّين وقتل من عسكره عشرون ألفًا فإذا قبلنا منه العذر في ترك هذا الأمر الجليل وقد كان معذورًا كما سيأتي فيه عند ذكر أسباب تقاعده (ع) عن الحرب زمان الثلاثة (أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم) إن شاء الله تعالى.
والتقية باب فتحه الله سبحانه للعباد وأمرهم بارتكابه وألزمهم به كما أوجب عليهم الصلاة والصيام حتى أنه ورد عن الأئمة الطاهرين (ع) : لا دين لمن لا تقية له. فقبل عذره (ع) في مثل هذا الأمر الجزئي وذلك أنه قد روى الكليني عن ابن أبي عمير عن هشام عن أبي عبد الله (ع) : قال لما خطب إليه أمير المؤمنين (ع) : أنها صبية. قال: فلي العباس فقال له: ما لي أبي بأس؟ قال: خطبت إلى ابن أخيك فردّني أما والله لأعودن زمزم ولا أدع لكم مكرمة إلا يجعل الأمر فجعل إليه ..
وأما الشبهة الثانية الواردة على هذا النص وهي: أنه يلزم أن يكون عمر زانيًا في ذلك النكاح وهو ما لا يقبله العقل بالنظر إلى أم كلثوم فالجواب عنه وجهين: أحدهما: أن أم كلثوم لا حرج عليها في مثله لا ظاهرًا ولا واقعًا وهو ظاهر، وأما هو فليس بزان في ظاهر الشريعة لأنه دخول ترتب على عقد بإذن الولي الشرعي. وأما في الواقع وفي نفس الأمر فعليه عذاب الزاني. بل عذاب كل أهل المساوئ والقبائح. إن الحال لما آل إلى ما ذكرنا من التقية فيجوز أن يكون قد رضي عليه السلام بتلك المناكحة رفعًا لدخوله في سلك غير الوطئ المباح.
وأما الثاني: وهو الوجه الخاصي: فقد رواه السيد العالم بهاء الدين علي بن عبد الحميد الحسيني النجفي في المجلد الأول من كتابه المسمى بالأنوار المضيئة قال: مما جالي روايته عن الشيخ السعيد محمد بن محمد النعمان المفيد (ره) رفعه إلى عمر بن أذينه قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أن الناس يحتجون علينا أن أمير المؤمنين زوّج فلانًا (عمر) ابنته أم كلثوم. وكان عليه السلام متّكئًا فجلس وقال أتقبلون أن عليًا عليه السلام أنكح فلانًا ابنته، إن قومًا يزعمون ذلك ما يهتدون إلى سواء السبيل والرشاد، ثم صفق بيده وقال: سجان الله ما كان أمير المؤمنين عليه السلام يقدر أن يحول بينه وبينها كذبوا لم يكن ما قالوا أن فلانًا خطب إلى عليّ عليه السلام بنته أم كلثوم فأبى فقال للعباس والله لئن لم يزوجني لأنزعن منك السقاية وزمزم، فأتى العباس عليه السلام فكلمه، فأبى عليه فألح عليه العباس، فلما رأى أمير المؤمنين مشقة كلام الرجل على العباس وأنه، سيفعل معه ما قاله، أرسل إلى جنّيّة من أهل نجران يهودية يقال لها سحيفة بنت حربربة فأمرها فتمثّلت في مثال أم كلثوم وحجبت الأبصار عن أم كلثوم بها، وبعث بها إلى الرجل فلم تزل عنده حتى أنه استراب بها يومًا، وقال ما في الأرض أهل بيت أسحر من بني هاشم، ثم أراد أن يظهر للناس فقتل فأخذت الميراث وانصرفت وأظهر أمير المؤمنين أم كلثوم.
أقول (الجزائري) وعلى هذا فحديث أول فرج غصبناه محمول على التقية والاتقاء من عوام الشيعة كما لا يخفى.
وذكر ما يقارب هذا على دخيل في كتابه (أم كلثوم) ص 12 وهو من كُتاب الشيعة المعاصرين والحكيمي في أعيان النساء ص 57.