الصفحة 58 من 82

ولكان محمد بن الحنفية كاذبًا في شهادته ليزيد لما جاءه عبد الله بن مطيع ابن الزبير وزعم له أن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب، فقال له محمد بن علي بن أبي طالب كما جاء في البداية والنهاية 8/ 223: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظبًا على الصلاة متحريًا للخير، يسأل عن الفقه، ملازمًا للسنة. فقال له ابن مطيع والذين معه: إن ذلك تصنعًا لك. فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إليّ الخشوع؟ أفأطلعكم على ما تذكرو من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعملوا. قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه .. فقال لهم: أبى الله ذلك على أهل الشهادة فقال: {إِلاّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 85] . ولست من أمركم في شيء .. إلخ فإذا كان هذا ما يشهد به ابن علي بن أبي طالب ليزيد [1] ،

(1) ورث العالم الإسلامي في تراثه تصورًا خطيرًا ليزيد بن معاوية تعالى حيث وضعته كتب التاريخ في إطار الجبابرة وأطلقت عليه نعوت القسوة والظلم والجبروت مما جعل النفوس تتقزز من ذكره وتشمئز مما نسب إليه.

وقضية يزيد رحمه الله تعالى في التاريخ قضية كل عملاق ظهر في الإسلام وكل علم يشار إليه بالبنان، تضعه الأغراض الخبيثة والنوايا السيئة في مواضع التهم وتلصق به كل خسيسة تحط من قدره وتسقط من هيبته.

ولقد نسجت حول يزيد رحمه الله تعالى الأباطيل والأكاذيب في مدة خلافته رحمه الله تعالى وبعد مماته وتوارثت الأجيال تلو الأجيال حقيقة مسلمة عندهم وأكثر مثقفينا في هذا العصر يجتز تلك الأباطيل والأراجيف دون التثبيت في ذلك والاطلاع على حقيقة الرجل من واقع كتب التاريخ الإسلامي الصادقة التي لم تصلها أحفاد عبد الله بن سبأ وبابا شجاع.

ومن أهم القضايا أو الأحداث التي حدثت في عهد أمير المؤمنين أبي خالد يزيد رحمه الله هي استشهاد الحسين بن علي رضي الله عنهما. ولا نستطيع في هذا المقام الضيق أن نتناول حقيقة هذه الواقعة ولكن لا يمنع من أن نوضح للقراء الكرام موقف أمير المؤمنين يزيد رحمه الله تعالى من البقية الباقية من أهل البيت الذين صحبوا الحسين رضوان الله عليه حيث أن موقفه رحمه الله تعالى مازال في أذهان مفكري أهل السنة فضلًا عن عوامهم أن يزيد رحمه الله تعالى سبى ذرية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وطيف بهم بالمدينة. وغير ذلك مما يستنكف القلم عن ذكره. ونورد للقراء الكرام بعض النصوص المضيئة من تاريخ يزيد رحمه الله تعالى في موقفه من ذرية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

ذكر ابن كثير: عن الغاز بن ربيعة الجرشي من حمير قال: والله لعند يزيد بن معاوية بدمشق إذ أقبل زجر بن قيس فدهل على يزيد، فقال له يزيد: ويحك ما وراءك؟ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله عليك ونصره، ورد علينا الحسين بن علي بن أبي طالب وثمانية عشر من أهل بيته، وستون رجلًا من شيعته، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم لأمير عبيد الله ابن زياد أو القتال، فاختاروا القتال، فغدونا إليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم م نكل ناحية حتى أخذت السيوف مأخذنا من هام القوم فجعلوا يهربون إلى غير مهرب ولا وزر ويلوذون منا بالآكام والحفر، لواذًا كما لاذ الحمام من صقر؟ فوالله ما كانوا الأجزر أو نومة قائل، حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مزملة وخدودهم مغفّرة تصهرهم الشمس وتسفى عليهم الريح وازرهم العقبان والرخم. قال: فدمعت علينا يزيد بن معاوية وقال: كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سمية، أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه، ورحم الله الحسين، ولم يصل الذي جاء برأسه بشيء.

ولما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد قال: أما والله لو أني صاحبك ما قتلتك.

لما دخلت الرؤوس والنساء على يزيد دعا أشراف الشام فأجلسهم حوله ثم دعا بعلي بن الحسين وصبيان الحسين ونسائه فأدخلن عليه الناس ينظرون، فقال لعلي بن الحسين: يا علي أبوك قطع رحمي وجهل حقي ونازعني في سلطاني فصنع الله به ما قد رأيت.

فقال علي: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب الله. فقال له يزيد (ما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديهم ويعفو عن كثير) .

فسكت عنه ساعة ثم دعا بالنساء والصبيان فرأى هيئة قبيحة. فقال: قبح الله ابن مرجانة، لو كانت بينهم وبينه قرابة ورحم ما فعل هذا بهم، ولا بعث بكم هكذا.

وأمر يزيد النعمان بن بشير أن يبعث معهم إلى المدينة رجلًا أمينًا معه رجال وخيل، ويكون علي بن الحسين معهن، ثم أنزل النساء عند حريمه في دار الخلافة، فاستقبلهن نساء آل معاوية يبكين وينحن على الحسين ثم أقمن المناحة ثلاثة أيام، وكان يزيد لا يتغذى ولا يتعشى إلا ومعه علي بن الحسين وأخوه عمر بن الحسين.

ولما ودعهم يزيد قال لعلي بن الحسين: قبح الله ابن سمية، أما والله لو أني صاحب أبيك ما سألني خصلة إلا أعطيته. ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي. ولكن الله قضى ما رأيت، ثم جهزه وأعطاه مالًا كثيرًا وكساهم وأوصى بهم ذلك الرسول .. وقال له: كاتبني بكل حاجة تكون لك ...

انظر استشهاد الحسين لابن كثير ص 108 وما بعدها.

هذا غيض من فيض ولو أردنا الاسترسال لطال بنا المقام ويكفي أخي القارئ ما أوردنا ومن أراد الاستزادة فعليه بالبداية لابن كثير وتاريخ الطبري وغيرها من كتب التاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت