الصفحة 26 من 42

اختلف الفقهاء - رحمهم الله - في نكاح الحامل من الزنا، فقال المالكية [1] والحنابلة [2]

(1) قال المالكية رحمهم الله: من عقد على امرأة في مدة الاستبراء وجب فسخ العقد، سواء كان الزنا منه أو من غيره، فإن دخل بها بعد أن عقد عليها تأبد تحريمها عليه إن كان الاستبراء من ماء غيره، سواء كان دخوله بها في مدة الاستبراء أو بعده، فلا يجوز له بعد فسخ النكاح أن يعقد عليها من جديد، إلا إذا كان الذي عقد عليها ودخل بها في زمن الاستبراء هو الزاني نفسه الذي تستبرئ هي من مائه فإن النكاح يفسخ من غير طلاق، ولا توارث فيه، ولا عدة وفاة، ويلحق فيه الولد إن حملت به بعد حيضة من العقد عليها، وأتت به لستة أشهر من يوم النكاح، وما كان قبل ذلك فهو من الزنا لا يلحق به، ولا يتأبد على الزاني بها تحريمها؛ فله أن يعقد عليها عقدًا جديدًا بعد فسخ النكاح الأول. انظر: مواهب الجليل 2/431، وشرح الخرشي 3/255، وشرح الزرقاني 4/4، وحاشية الدسوقي 2/295

(2) قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد 5/646 بعد قوله: ومن محاسن مذهب الإمام أحمد أن حرَّم نكاحها ـ أي الزانية ـ بالكلية حتى تتوب....إلى أن قال: من جوز العقد على الزانية ووطئها قبل استبرائها حتى لو كانت حاملًا أن لا يوجب استبراء الأمة إذا كانت حاملًا من الزنا، بل يطؤها عقيب ملكها، وهو مخالف لصريح السنة؛ فإن أوجب استبراءها نقض قوله بجواز وطء الزانية قبل استبرائها، وإن لم يوجب استبراءها خالف النصوص، ولا ينفعه الفرق بينهما بأن الزوج لا استبراء عليه بخلاف السيد؛ فإن الزوج إنما يجب عليه الاستبراء لأنه لم يعقد على معتدة ولا حامل من غيره؛ بخلاف السيد ثم إن الشارع إنما حرم الوطء بل العدة خشية إمكان الحمل فيكون واطئًا حاملًا من غيره، وساقيًا ماءه لزرع غيره، مع احتمال أن لا يكون كذلك؛ فكيف إذا تحقق حملها، وغاية ما يقال: إن ولد الزانية ليس لاحقًا بالواطئ الأول؛ فإن الولد للفراش وهذا لا يجوز إقدامه على خلط مائه ونسبه بغيره، وإن لم يلحق بالواطئ الأول فصيانة مائه ونسبه عن نسب لا يلحق بواضعه لصيانته عن نسب يلحق به. والمقصود أن الشرع حرم وطء الأمة الحامل حتى تضع سواء كان حملها محرمًا أو غير محرم، وقد فرق النبي بين الرجل والمرأة التي تزوج بها فوجدها حبلى، وجلدها الحد وقضى لها بالصداق، وهذا صريح في بطلان العقد على الحامل من الزنا، وصح عنه أنه مر بامرأة محج على باب فسطاط؛ فقال {لعل سيدها يريد أن يلم بها؟} قالوا: نعم. قال {لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره. كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ كيف يورثه وهو لا يحل له؟} فجعل سبب همه بلعنته وطأه للأمة الحامل، ولم يستفصل عن حملها هل هو لاحق بالواطئ أم غير لاحق به؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت