الصفحة 27 من 201

ويدل عليه أيضاُ قوله تعالى:? فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ? (الشعراء: 216) فأمر الله رسوله بالبراءة من عملهم القبيح؛ لا منهم، وكذلك تبرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما فعل خالد بن الوليد يوم فتح مكة ولم يتبرأ منه؛ ولم يعزله عن الإمارة.

ومن الأدلة أيضًا: حديث شارب الخمر الذي نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن سبه بعد حدِه؛ وقال: ( لا تعينوا الشيطان على أخيكم؛ أما إنه يحب الله ورسوله) ( [35] ) .

وأيضًا فقد نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المشاحنة والمهاجرة بين المسلمين؛ وجعلها كالشرك في منع المغفرة للمتهاجرين حتى يصطلحا، كما صح من حديث أبي هريرة.

وذلك أن من إعتقاد أهل السنة والجماعة: أنه تجب كراهة ذنب المذنب العاصي ولا تجب كراهة المسلم نفسه، بل يُحب لإسلامه. وكل خلاف بين المسلمين لا يخرج أحد الطرفين المختلفين من دائرة الإسلام؛ وجب أن لا يصاحبه عداوة وتنافر وتباغض، فإختلاف الرأي لا يفسد للود قضية ولا يقطع حبل المودة، ولا يعكر على القلوب صفاءها، فضلًا عن التنابذ والتدابر ونحو ذلك .

ولقد ضرب لنا سلفنا أمثلة شامخة في هذا الباب، من ذلك:

1-ما قاله يونس الصدفي (ت 264هـ) قال: ما رأيت أعقل من الشافعي؛ ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال: ( يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا، وإن لم نتفق في مسألة) ؟!

2-ما رواه ابن عبد البر عن العباس بن عبد العظيم العنبري قال: كنت عند أحمد بن حنبل وجاءه علي بن المديني راكبًا على دابة، قال: فتناظرا في الشهادة، وارتفعت أصواتهما حتى خفت أن يقع بينهما جفاء، وكان أحمد يرى الشهادة، وعلي يأبى ويدفع، فلما أراد علي الانصراف، قام أحمد فأخذ بركابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت