وهذا ما يعتبره الأصوليون سِرَّ فشل الإخباريين في الإبقاء على أي كيان سياسي شيعي قوي على مدار التاريخ، ما خلا الحركات السياسية السرية أو الحوزات العلمية؛ على الرغم من أن المدرستين تتفقان في النظرة للإله والكون، فهو (الله) لا يقبلُ مُجرَّد النطق بالشهادتين والاعتقاد بإله واحد لا شريك له، بل لابد من آل بيت المعصومين على العقيدة الشيعية، ومن ثم فكل ما هو مُهمٌ عند الله يَتَمَحوَر حَول آل البيت (على المفهوم الشيعي) في البدء والختام.
وقد أحدثت مسألة القدر خلافا جوهريا في التحرك السياسي المُمَهِّد لخروج المهدي المنتظر من غيبته الكبرى، فالتيار الأصولي المعاصرُ الذي تقوده الجمهورية الإسلامية الإيرانية وظَّفَت القَدَرَ في أجندة سياسية أيديولوجية، تُغذّي الضميرَ الجماعيَ الشيعي نحو هدفٍ مُوحَّد، هو تهيئةُ الظروف لخروج المهدي، وتختلف معها المدرسة الإخبارية"الجَبْريَّة"التي تعتقد ضرورة انتظار خروج"المهدي"أولا، ثم بدء التحرُّك معه لتنفيذ وظيفته بعد خروجه، وأي تحرك قبل وقوع القدر باطل. [8]
والحقيقة أن الخلاف الشيعي الشيعي في مسألة القدر يصلح أن يكون بندا خامسا من بنود الخلاف بين المدرستين؛ لأنه خلاف في أصل النظرة إلى المصير وحركة التاريخ الشيعي، ويغلب على الظن أن هذا هو منشأ الخلاف الفلسفي بين المنهجيتين.
"القَدَر"كرؤية للتاريخ الشيعي
تنبع رؤية الشيعة -إخباريين وأصوليين-للتاريخ من عنصرين أساسيين، أحدهما عقائدي والآخر تاريخي؛ فأما العقائدي فسِمَتُه الحُلُولية بكل ما تحويه من مَزجٍ بين العناصر المطلقة والنسبية، وبكل ما تخلعُه عليهم من مُطلَقاتٍ تخرج مَخرَج الأحكام اليقينية.