وثانيهما التجربة التاريخية للشيعة؛ فقد ساهمت هذه التجربة في إعطاء ما يَشبه الأساس الواقعي أو الافتراضي للرؤية الشيعية للتاريخ، يجعل الشيعة كيانا مستقلا عن باقي الكيان الإسلامي، وهذا أوهم مفكريهم أن للشيعة تاريخهم المستقل عن التاريخ العام الذي يُحيط بهم، وأنساهم أن استقلالية الشيعة نفسها من سمات تطور المجتمع الإسلامي، وخاصة في دائرة ما يعرف بالشرق الأوسط، وأن النظام الاجتماعي الشيعي المستقل هو -في نهاية الأمر-نتاج للبناء التاريخي الأساسي لمراحل الخلافة الإسلامية المتعاقبة؛ إذ إن الذي حكم ظهور وسقوط الحوزات الشيعية الكبرى أو الأشكال الإدارية الإثني عشرية المستقلة الأخرى ليس الإرادة الشيعية المستقلة، وإنما حركة التاريخ الإسلامي، ومجموعة من العناصر المركبة يُشكل الشيعةُ جزءا منها في القديم والحديث.
ويمكن القول: إن الرؤية الشيعية للتاريخ لا تختلف في بنيتها عن الرؤية الحلولية الصوفية، فتاريخ الشيعة هو تاريخ يتدخل (أي يِحِلُّ) الله تعالى فيه بشكل مستمر؛ ولذا أصبح السفراء والمراجع والحوزات والمُقَلِّدون أُمّةً ومجتمعا دينيا في آن واحد، ولا يزال الشيعةُ شعبا ومجتمعا دينيا (قوميا ومقدَّسا) حتى وقتنا هذا.
في الرؤية الشيعية للتاريخ، هناك تطابق كامل بين ما يُشكِّله الأئمة المعصومون وسفراؤهم ومراجعهم من جهة، والعقيدة والتاريخ من جهة أخرى؛ فهم يعتقدون أن التاريخ والوحي (أقوال الأئمة) ظاهرة واحدة: التاريخ باعتباره وحيا قَدَريا، والوحي باعتباره تاريخا شيعيا، يظهر ذلك في باب مستقل عقده الكليني في أصول الكافي باسم:"باب أن الأرض كلها للإمام"، أورد فيه عن أبي عبدالله (ع) قال:"أما علمتَ أن الدنيا والآخرة للإمام، يضعها حيث شاء ويدفعها إلى من يشاء، جائز له ذلك من الله ...". [9]