الصفحة 48 من 77

إن هذا الاستدلال ظاهر البطلان؛ لأن علم الله تعالى من لوازم ذاته المخصوصة، وما كان كذلك كان دخول التغيير والتبديل فيه محالًا، أما المحو والتغيير الوارد في الآية، فهو في غير ما سبق به علمه، وكتبه قلمه، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير؛ لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص أو خلل، فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابًا، ولمحوها أسبابًا كمحو السيئات بالحسنات { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } [1] ومحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة وإثبات إيمانهم وطاعتهم. ولا يلزم من ذلك الظهور بعد الخفاء، بل يفعل الله هذا مع علمه به قبل كونه [2] .

إن الشيعة لم يقفوا في سرد الروايات والأدلة وتأويل الآيات بما يتفق مع معتقداتهم وأهوائهم إلى هذا الحد بل قالوا: إن نبي الله لوطًا عليه السلام كان يخاف من البداء لله إلى حد أنه طالب ملائكة العذاب أن يعجلوا بقومه العذاب كي لا تتغير إرادة الله فيهم بسبب من الأسباب التي خفيت عليه وتظهر فيما بعد، وهذا ينقلوه عن محمد الباقر بعد ذكر رسل الله الذين أرسلوا إلى قوم لوط:"قال لهم لوط: يا رسل ربي فما أمركم ربي فيهم؟ قالوا: أمرنا أن نأخذهم بالسحر، قال: فلي إليكم حاجة. قالوا: وما حاجتك؟ قال: تأخذونهم الساعة، فإني أخاف أن يبدو لربي فيهم. قالوا: يا لوط: { إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ } [3] [4] ."

لقد اتفقت الشيعة الإمامية على إطلاق لفظ البداء على الله تعالى، وهذا أقر به أحد علمائهم وشيخهم الشيخ المفيد عندما قال:"واتفقت الإمامية على إطلاق لفظ"

(1) سورة هود: 114 .

(2) انظر: تفسير كلام المنان 4/116-117 .

(3) سورة هود: 81 .

(4) الكافي للكلني 5/543-544 ، كتاب النكاح، باب اللواط رقم 5 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت