كما يجمع الرواة على أن من عاتبوه وبايعوه أخلفوا وعدهم وبيعتهم، وأن المخلصين له قد نصحوه بعدم الخروج لمحاربة يزيد بن معاوية ولكنه أبى.
ويعطي الفرزدق صورة دقيقة لماحة للموقف إذ قال للحسين: (سقطت يا ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء) [34] . ولكن الحسين تقدم بشجاعة نادرة ينشد:
أنا ابن علي الحبر من آل هاشم
كفاني بهذا مفخرًا حين أفتخر
وجدي رسول الله أكرم من مشى
ونحن سراج الله في الناس يزهر
وفاطمة أمي سلالة أحمد
وعمي يدعى ذا الجناحين جعفر
وفينا كتاب الله أنزل صادقًا
وفينا الهدى والوحي والخير يذكر [35]
وثبت في المعركة دون خوف أو وجل مما أصبح قدوة لحركة التوابين حين قامت لتقتص من قاتليه، وكان لخذلان أهل الكوفة له صدى بعيد في نفوس الشيعة لزمن طويل.
فحتى أولئك الذين بعثوا بالكتب والبيعة إلى الحسين خذلوه في اللحظات الحاسمة، وتخلوا عنه وتركوه إلى مصيره من قتل وإهانة وتمثيل بجسده، فلا غرو أن يجد الحسين نفسه في النهاية بين أفراد قلائل من الأصحاب وأهل بيته وهم تسعون بين رجل وامرأة [36] أن يطلب الكف عن القتال فيما يروي ابن قتيبة فقال لعمرو بن سعيد الذي أرسله لعبيدالله بن زياد لقتالهم: (يا عمرو اختر من ثلاث خصال: إما أن تتركني أرجع مهما جئت، فإن أبيت هذه فأخرى تسيرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت أو تسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده فيحكم في بما يريد) [37] .
ولكم في ج مع الحسين إلا عدد قليل جذا من أهل المدينة كما لم يناصره أهل الكوفة بل خذلوه ساعة المحنة وتركوه يلقى مصيره وحده مما دفع الحمية ببعض جند أعدائه إلى الالتحاق بجيشه والقتال دفاعًا عنه لأنهم استنكروا أن (يعرض ابن بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث خصال فلا يقبل أعداءه واحدة منها) [38] .