وظلت قلوب المسلمين من حوله تتطلع إليه حبًا في السلالة الطاهرة التي تفرع منها، فلا غرو أن يعرفه الكافة عندما أراد الوصول إلى الحجر الأسود تكملة لمناسك الحج فتفسح له الطريق، وكانت مناسبة التقطها الفرزدق ليعرف بها في قصيدته المشهورة هشام بن عبد الملك الذي لم يلق إليه المسلمون بالًا وهو ابن ذي السلطان. قال الفرزدق:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم
هذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها
إلى مكارم هذا ينتهى الكرم
ينمي إلى ذروة العز التي قصرت
عن نيلها عرب الإسلام والعجم
ولكن العاطفة لم تكن تظل بصورتها التلقائية نحوه ونحو أهل البيت النبوي إذ مشي فيها وباء الغلو والتطرف، فلما تناهى إلى سمعه بعضها وقف في وجهها بشدة وتبرأ من معتنقيها. فمن أقواله لبعض الشيعة:
أيها الناس أحبونا حب الإسلام، فما برح حبكم حئ صار علينا عارًا وحتى بغضتمونا إلى الناس [51] .
وهو بمثل هذا القول، وبأقوال أخرى أوردها الأستاذ الدكتور النشار، يمكن أن نصل إلى نفس الاستنتاج الذي استخلصه من تلك النصوص، وهو أن نظرة أهل البيت لأنفسهم لم تكن أبدًا بالصورة التي تناقلتها الشيعة خاصة المتطرفين منهم، كذلك رأيهم في الصحابة الأولين فكانوا موضع إجلال وإكبار لا محل سخط ولعن. (ولا عجب أن نراهُ يتولى أصحاب محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويدعو لهم في الصحيفة السجادية المنسوبة إليه، وأن نرى ابنه الإمام زيدًا يتابع سنة أبيه ويختلف مع غلاة الشيعة في الكوفة فيما بعد حين يتولى الشيخين) [52] .