هو أبو عبد الله جعفر بن محمد يعتبره الشهرستاني ذا علم غزير وورع تام عن الشهوات ويسرد موجزًا لتاريخ حياته المتصل بدعوى الإمامة، فيخبرنا أنه أقام بالمدينة يفيض من علومه على الموالين له، فلما انتقل للعراق لم ينازع أحدًا في الخلافة ولم يتعرض لها، ثم يفسر عزوفه عن الخلافة بتعليل دقيق رائع فيقول:
(ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، ومن تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط وقيل من آنس بالله توحش عن الناس، ومن استأنس بغير الله نهبه الوسواس) [67] .
هذا ما يقوله الشهرستاني. ورأيه في هذه النقطة يعبر عن رأي جمهور أهل السنة الذين يقولون: (إنه لم يكن خليفة ولم يطالب بها ولم ينازع) ولكن الشيعة لهم رأي آخر، فهو عندهم لم يخرج داعيًا لنفسه لأنه عمل بمبدأ التقية، فنقلوا عنه قوله: (التقية ديني ودين آبائي) [68] .
ولكن الأستاذ الشيح أبو زهرة ينفى عن الإمام الصادق مطالبته بالإمامة بالرغم من أن المتشيعين له بالعراق كانوا ينادون به إمامًا، ذلك لأنه رأى خذلانهم لعمه الإمام زيد ثم قتله وصلبه بطريقة منكرة فعلم أن الشيعة في عصره يحرضونه ولن ينصروه، واستكملت تجربة الإمام زيد حلقاتها باستشهاد كل من محمد بن عبد الله بن الحسين في المدينة وأخيه إبراهيم بالعراق فأثرت في نفسه وعزف عن السياسة لاجئًا إلى العلوم يغترف من منابعها [69] .
وقد اشتهر الإمام الصادق بعلمه الغزير، ويذهب الشيعة إلى أن مدرسته بالمدينة كانت جامعة إسلامية كبرى تجذب إليها العلماء من أجزاء العالم الإسلامي، وينسبون إليه العلم الموروث عن جده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأنه لم يجهل الإجابة على أي سؤال وجه إليه. فمن أقواله التي ينسبونها إليه: (سلوني قبل أن تفقدوني فإنه لا يحدثكم أحد بمثل حديثي) [70] .
ولهذا أصبح جعفر الصادق عند الشيعة هو الذي قام (بنشر الإمامية والمعارف الحقيقية والعقائد اليقينية) [71] .