من الجدير بالإشارة: أنه رغم وجود المذاهب المعروفة عند أهل السنة، لكنهم أصحابها لا يعتبرونهم المراجع الوحيدة، فالليث بن سعد عاصر مالك واعتبره الشافعي أفقه من مالك، وكان سفيان الثوري في العراق بفقه يوازي فقه أبي حنيفه واعتبره الغزالي الفقيه الخامس، وكذلك في الشام برع الإمام الأوزاعي، علاوة على عطاء بن سعيد وطاووس والزهري والشعبي وابن سيرين والعشرات غيرهم. وهؤلاء الفقهاء على خلاف أئمة الشيعة فهم لم يدعوا العصمة، وكانوا يؤمنون بأن من أفتى صوابًا له أجرين، ومن أخطأ له أجر واحد. لهذا تراهم يختلفون في العديد من المسائل الفقهية، بل إن مذهب الشافعي في العراق يختلف عن مذهبه في مصر. وعندما يرى الإمام بأن هناك رأيًا فقهيًا أرجح من رأيه، كان يتنازل عنه برحابة صدر، ويأخذ بالأصوب. وهذا ما عبر عنه الشافعي بقوله:"إذا صح الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي"وكذلك قوله المنصف:"رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".
المثير في الأمر: أن أئمة أهل السنة نهوا المسلمين عن تقليدهم، وهذا ما عبر عنه الشافعي بقول أورده ابن القيم:"مثل الذي يطلب العلم بلا حجة، كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيه أفعى، تلدغه وهو لا يدري"، وكذلك قول أبو حنيفه عن الأئمة:"هم رجال ونحن رجال"، كما ذكر الإمام أحمد:"لا تقلدني! ولا تقلد مالكًا ولا الثوري ولا الأوزاعي! خذ من حيث هم أخذوا"، وقال أبو يوسف:"لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا" [إعلام الموقعين2/139] .