يذكر ابن الجوزي بأن"التصوف مذهب معروف يزيد عن الزهد. فالزهد لم يذمه أحد، وقد ذموا التصوف"يلاحظ أن الزهد لم يرد في القرآن الكريم إلا مرة واحدة في سورة يوسف حيث جاء: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} [يوسف:20] [تلبيس إبليس/204] ، ومعنى الزهد في الآية الكريمة لا علاقة له بمعنى الزهد الذي يدعيه غلاة المتصوفة، كالعزلة والجوع وهجر الزوجة والأولاد؛ فهو يعني في الآية الكريمة عازفين وغير راغبين فيه. وحتى زهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الأجلاء كان زهدًا إيجابيًا وليس سلبياٍ كزهد المتصوفة الذي فيه ضرر للنفس والأهل والأحبة؛ فللنفس حق على الإنسان وقد جاء في الذكر الحكيم: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77] .
الزهد في مفهومه الإسلامي يتجلى في طرق عيش معظم الصحابة، وكيفية التعامل مع المال الخاص، وهذا ما يعترف به المتصوفة أنفسهم، حيث يذكر الشعراني عن الزبير بن العوام:"لما حضرته الوفاة كان عليه دين كثير، وليس له مال، فقالوا له: ما نفعل في دينك؟ فقال لأولاده: قولوا يا مولى الزبير اقضِ دينه! فقضاه الله تعالى عنه جميعه، وكان قدره ألف ألف ومائتي ألف" [الطبقات الكبرى1/19] .
ويذكر عن سلمان الفارسي:"كان يكل من شغل يديه ويستظل بالفيء حيثما دار ولم يكن له بيت، وكان يعجن عن الخادم حين يرسلها في حاجة، ويقول: لا نجمع عليها عملين، وكان يعمل الخوص، ويقول أشتري خوصًا بدرهم، فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم فأعيد درهمًا فيه وأنفق درهمًا على عيالي وأتصدق بدرهم، ولم يأكل من صدقات الناس، وكان الناس يسخرونه في حمل أمتعتهم لرثاثة حاله، فربما عرفوه فيريدون أن يحملوا عنه، فيقول: لا حتى أوصلكم إلى المنزل، وهو إذ ذاك أمير على المدائن".