وعن أبي ذر الغفاري:"كان يرى تحريم إدخال ما زاد على نفقة اليوم، وكان الرجل يدخل عليه، فيقلب بصره في بيته فلا يجد فيه شيئًا من أمتعة الدنيا رضي الله عنه" [الطبقات الكبرى1/21] .
وعن أبي هريرة:"رفع يومًا على جاريته سوطًا، ثم قال: لولا خوف القصاص لأوجعتك، ولكن سأبيعك لمن يوفيني ثمنك، اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى! وكان هو وامرأته وجاريته يقسمون الليل أثلاثًا، يصلي هذا ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا ثم يوقظ هذا" [الطبقات الكبرى1/22] .
وعن عمر بن عبد العزيز:"وكانت غلته خمسين ألف دينار، فلما ولي الخلافة صار ينفقها كل حين، حتى ما يبقى له غير قميص واحد لا يخلعه، حتى يتسخ، فإذا اتسخ غسله ومكث في البيت حتى يجف، وكانت زوجته فاطمة بنت عبد الملك كذلك؛ وضعت جميع مالها في بيت المال، فصارت كآحاد الناس" [الطبقات الكبرى1/30] .
هذا هو الزهد الإسلامي بعينه لا زهد المتصوفة والأئمة.
يفرق زكي مبارك بين المتصوفة والزهاد بقوله:"الذين اكتفوا بحسن الخلق والزهد في الدنيا والتأدب بآداب الشرع، لُقبوا بالنساك والقراء والزهاد والعباد، والذين أقبلوا على دراسة النفوس وآفاتها، وما يرد على القلب من خواطر، وحرصوا على الصيغة المذهبية، لقبوا بالصوفية" [التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق2/21] .
بما معنى أن المتصوفة الذين لم يحيدوا عن ركب الإسلام، والتزموا بمبادئ الشرع، لا توجد حاجة لأن نطلق عليهم تسمية متصوفة، ربما صفة شيوخ أو زهاد أو مؤمنين يكفي لوصفهم. وهذا ما أشار إليه ابن الجوزي بقوله:"في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت كلمة مؤمن ومسلم، ثم نشأت كلمة زاهد وعابد، ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها" [تلبيس إبليس/161] .