فهرس الكتاب
مثلًا: في الوقت الذي خدمت الطريقة التيجانية الاستعمار الفرنسي في الجزائر، كان للطريقتين القادرية والروحانية دورًا مشرفًا في مقارعته، وفي تونس حدث العكس فقد خدمت الطريقتان الرحمانية والقادرية الاستعمار الفرنسي [حيث طالبت القادرية بتحالف فرنسي - إسلامي] ، وكان شيخ الطريقة محمد شعبان في استقبال القوات الفرنسية الغازية، لكن بعض الزوايا من نفس الطريقتين حاربوا الاستعمار، وكذلك من مخازي الطريقتين [السلامية والشابية] أنهم سلموا رجال المقاومة الوطنية للقوات الفرنسية. أي نفس مهمة المخبر السري حاليًا في العراق المحتل، ومن مخازي الطريقة التيجانية أن أوصى شيخها القبائل بالتزام الهدوء وعدم مقاومة الغزاة، أي نفس دعاوى أصنام النجف الأربعة وذيلهم مقتدى الصدر.
يمكن ملاحظة ظاهرة استعمارية مهمة تخص التعامل مع المراجع والشيوخ الذين يجندوهم لخدمتهم، وهي بعد أن تتوطد عرى الاستعمار في البلد، تقوم إدارة الاستعمار تدريجيًا بسحب البساط من تحتهم عبر إنهاء نفوذهم المادي والمعنوي، أو بتقليص امتيازاتهم الكبيرة كوضع اليد عليها، أو التهديد بالسيطرة على مواردهم المالية أو كشفها للمواطنين على أقل تقدير للحط من شأنهم ومنزلتهم، وأحيانًا التهديد بفضح تعاونهم مع الغزاة كعملاء مأجورين وإسقاطهم شعبيًا. وهذا ما لاحظناه في العراق، فبعد الغزو الأمريكي الغاشم كشف بول بريمر ورامسفيلد هوية أحد أكبر عملائهم في العراق وهو آية العمالة العظمى السيستاني.
ذكر بريمر في يومياته:"أرسل لي السيستاني ذات يوم يقول: إن عدم لقائه بنا ليس ناتجًا عن عداء للتحالف، وإنما لأنه يعتقد أنه بذلك الموقف يمكن أن يكون أكثر فائدة لتحقيق أهدافنا المشتركة، وبأنه سيفقد بعض مصداقيته لدى أنصاره لو تعاون بشكل علني مع مسؤولي التحالف، كما فعل بعض العلمانيين من الشيعة والسنة، أو رجال دين شيعة ذوي مرتبة منخفضة" [مذكرات بول بريمر/214] .