الصفحة 3 من 1224

... وأحسب أن ذلك هو حال كل علم على حدة في أطوار تاريخه؛ إذ تتنوع مناهج البحث في موضوعه، فتتعدد فروع أصوله، وتختلف الآراء في مسائله على حسب قابلية ذلك العلم لتلك الحركة في أصل موضوعه ومناهج درسه والبحث في مسائله.

... وهذا التطور الدائب للعلوم جميعا بما يشتمل عليه من تنوع أو خلاف يناسب طبع الإنسان وفطرته، ويواكب طموحه العقلي وتوهجه الوجداني اللذين لا يقفان به عند حد معلوم .. { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ... } هود/ 118، 119.

فَلِحِكْمة عاليةٍ كان الاختلافُ آيةً من آيات الله الكبرى في الخلق، ومظهرا لطلاقة القدرة ونفاذ المشيئة الإلهية التي لا يخضع الكون معها لنَامُوسٍ ثابتٍ يُوهِمُ حُكومَةَ العالَم بطَبْعٍ لا اختيارَ فيه؛ فكان الاختلافُ والتنوعُ في عقائد الناس ومذاهبهم، وفي آرائهم وعلومهم،كاختلافهم في ألسنتهم وألوانهم، وفي قدراتهم وأرزاقهم، مع عودتهم في كل ذلك إلى أصل واحد وامتياحهم من معين واحد.

وقد صح عند كثير من علماء الحديث أن رسول الله ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ قال: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» [1] .

(1) - أخرجه الإمام أحمد في مسنده من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعا بدون ذكر النصارى ـ 2/ 332. وأخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح ـ 5/ 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت