فهرس الكتاب
أ ــ يُقَرِّرُ الشيخ المفيد أن أكثر الموحدين افتتحوا كلامهم في «إرشاد المبتدئين» [1] ببيان أول فرائض الله ــ تعالى ــ على عباده المكلفين. وأول هذه الفرائض النظر؛ لأن الله ــ تعالى ــ فرض على العباد معرفته، ولا سبيل إليها إلا بالنظر فيما يدل عليه. وحقيقة النظر عنده: «استعمال العقل في الوصول إلى الغائب، باعتبار دلالة الحاضر» . والاعتبار عنده عين النظر؛ لكنه عَرَّفَه بعبارة أخرى مختلفة في النظم متفقة في المعنى زاعما أن هذا غير منكر عند أهل التحصيل، فقال: «هو الفكر فيما ظهر للنفس؛ لاستفادة ما بطن عنها» . والعقل: «معنى يتميز به معرفة المستنبطات، ويُسَمَّى عَقلا لأنَّه يَعْقِلُ عن المُقَبَّحَات» . والمعرفة عنده هي العلم بعينه [2] .
(1) - المقصود هنا الكتب الكلامية المخصصة لشرح أحكام الدين وتعليمها بصورة ميسرة. وقد بين تلميذُه شيخُ الطائفة الطوسي أن الشيوخ جرت عادتهم على ذلك تأنيسا للمبتدئ وحثا له على النظر؛ حتى إذا نظر وعرف ذلك فيما بعد عرف أن الأمر على ما قيل. وإن كان الكلام في وجوب النظر عندهم متأخرا عن الكلام في معرفة الله ـ تعالى ـ بتوحيده وعدله ومعرفة كونه مكلفا، وبناء على هذا فسر الطوسي تقديم الشريف المرتضى الكلام عن وجوب النظر في كتابيه: «الذخيرة» و «الملخص» ، وتأخيره في «جمل العلم والعمل» إلى الكلام عن «المعارف» بعد «التكليف» من أبواب «العدل» .. انظر الشيخ الطوسي: تمهيد الأصول في علم الكلام ـ ص 2.
(2) - انظر المفيد: النكت في مقدمات الأصول ـ ص 20: 23. وحد المعرفة في نكت المفيد في بعض النسخ المخطوطة موضعه بياض، وفي بعضها مُشَوّهٌ غير واضح فقرأه المحقق تارة (التفهم) وتارة (الاعتقاد) . وقد أخذته من كنز الفوائد للكراجكي ـ 1/ 318 من فصل المقدمات في صناعة الكلام، الذي عرض فيه لبيان جملة من المصطلحات الكلامية، والظاهر أنه نقل أكثرها نقلا حرفيا عن المفيد.