فهرس الكتاب
ويذكر المرتضى أنهم يجيزون الكتمان على آحاد المخبرين وجماعاتهم لحسد أو خوف، وليس في ذلك ما يجب أن يكون مانعا من القطع على صحة خبرهم إذا ورد على شرائطه المخصوصة، وإنما يكون مانعا من كونهم حافظين للشرع؛ لأنه إذا جاز الكتمان عليهم لم يوثق بأنه لم يقع منهم إلا بالقطع على وجود معصوم يكون وراءهم؛ فيتلافاه متى وقع منهم .. وعندئذ يوجه المرتضى خطابه للقاضي بوجوب أن لا يخلط قول الإمامية في جواز الكتمان على جماعة المخبرين بجواز الكذب، ولا قول الإمامية في إخراجهم من أن يكونوا حافظين للشرع بإخراجهم من أن يكونوا حجة فيما يتواترون به .. قال: «فإن ذلك لا يختلط إلا عند من لا معرفة عنده» [1] .
وسيأتي الكلام على أنهم لا يجعلون الإجماع حجة إلا وهو مشتمل على قول المعصوم، ومن ثم كان للقوم هذه الآراء التي تمنع القطع بكون العلم بمُخْبَرِ الأخبار المتواترة ضروريا؛ ليسلم لهم مذهبهم في الإمامة التي هي مركز الرحى في فكرهم الكلامي جميعا؛ فتراهم يوافقون ما يوافقونه من آراء المتكلمين من سائر الطوائف الإسلامية في دقيق الكلام وجليله حين يسلم لهم مع هذه الموافقة مذهبهم، ويخالفون كل ما يؤدي إلى إبطاله أو ترجيح غيره عليه [2] .
وإذا رجعنا النظر في كلام المرتضى عن أقسام العلم؛ فسنجد أن أسبابه أيضا هي الحواس والخبر وأدلة النظر العقلي.
(1) - السابق ـ 1/ 284.
(2) - أحسب أن هذا القدر كاف في هذا الموضع لبيان رأي القوم في العلم الحاصل من طريق الأخبار المتواترة؛ فلا يخرج الكلام عن حد بيان أقسام العلم. وسيأتي تفصيل الكلام عن التواتر بموضعه في الكلام عن الاستدلال وأنواعه ـ إن شاء الله تعالى.