الصفحة 66 من 1224

لكنني لم أستطع أن أقبل هذا الكلام على أنه هو الدافع الوحيد للمرتضى والطوسي في مخالفة القاضي عبد الجبار أو المعتزلة البصريين، وجعلت أُرَجِّعُ الفكرَ أيضا فيما وراء اختيار الشيخ المفيد من قبلُ لقول أبي القاسم الكعبي أو البلخي في القطع بأن العلم بمُخْبَرِ الأخبار المتواترة كسبي نظري. ولم أقطع في ذلك بشيء معين حتى طالعت كتاب «الشافي في الإمامة» للشريف المرتضى، وقرأت ما دفع به اتهام القاضي للشيعة الإمامية بإنكار التواتر؛ لأن ادعاء كفايته في حفظ الدين يعارض القول بضرورة الحاجة إلى إمام معصوم يحفظ الدين، وهو أحد أصول أدلتهم العقلية في القول بوجوب الإمامة وعصمة الإمام، باعتبار ذلك لطفا واجبا على الله ــ تعالى. والمرتضى في جوابه يسلم بأن التواتر لا يجوز أن يقتصر عليه في حفظ الدين، وأنه لا بد من كون إمام معصوم وراءه، ويقول: «فأما القدح في التواتر؛ فمعاذ الله أن نراه أو نذهب إليه. فإن كان يظن أنا إذا منعنا من أن يحفظ الشرع به؛ فقد قدحنا فيه؛ فقد أبعد؛ لأن القدح فيه إنما يكون بالطعن في كونه حجة، وطريقا إلى العلم عند وروده على شرائطه. فأما لما ذكرناه فلا ...؛ بل هو عندنا من حجج الله ــ تعالى ــ على عباده، وأحد الطرق إلى العلم. فمن ظن علينا خلاف هذا، أو رمانا بإبطاله؛ فهو مُبْطِلٌ سَرِفٌ. والذي نذهب إليه من جواز الكتمان والعدول عن النقل على الناقلين، لا يقتضي إبطال التواتر، وترك العمل عليه إذا ورد على شرائطه؛ لأنه إنما يكون حجة إذا قام الرواة بأدائه ونقله، فأما إذا لم يفعلوا ذلك فقد سقطت الحجة به» [1] .

(1) - المرتضى: الشافي في الإمامة ـ 1/ 283، 285.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت