الصفحة 69 من 1224

وفي كتاب «الذخيرة» عدد من الفصول عن النظر، أولها بعنوان: «النظر وبيان مهم أحكامه» ، وقد تناول فيه تعريف النظر بأنه الفكر، ثم بَيَّنَ أن الفكر هو «التأمل للشيء المُفَكَّرِ فيه [والتمييز] بينه وبين غيره» [1] . وذكر تميزه عن سائر ما يدركه الإنسان من أحوال نفسه الراجعة إلى معان تقوم به؛ مثل: كونه معتقدا، ومريدا. وبَيَّنَ أن الدليل على ذلك هو الدليل على أن المريد المعتقد إنما يكون كذلك لمعنى [2] ، ولهذا يجد الناظر نفسه ناظرا كما يجد نفسه معتقدا ومريدا، ولو كان ناظرا لأنه مَنْ فَعَلَ النظر؛ ما وجب ذلك [3] ،

(1) - عبارة المرتضى هنا لا تختلف كثيرا عن عبارة القاضي عبد الجبار المعتزلي الذي ذهب إلى أن النظر هو الفكر، والفكر هو تأمل حال الشيء والتمثيل [الصواب: والتمييز] بينه وبين غيره .. انظر له: المغني في أبواب التوحيد والعدل ـ 12/ 4. تحقيق الدكتور إبراهيم مدكور. وقد جاء التعريف بهذه العبارة في تمهيد الطوسي ـ ص 192. ومن العجيب أن محققه أشار إلى أن لفظ «التمييز» ذكر في إحدى النسخ «التمثيل» .

(2) - موضع تفصيل الكلام عن المعارف والنظر متأخر عند المرتضى والطوسي عن موضع الكلام في الصفات، ومما قاله الطوسي في بيان الدلالة على ذلك في التمهيد الذي هو شرح للقسم النظري من «جمل العلم والعمل» للمرتضى: «فإذا ثبت أن للمريد بكونه مريدا صفة زائدة على جميع صفاته المعقولة؛ فالذي يدل على أنها لمعنى هو أنها تتجدد مع جواز أن لا تتجدد، وأحواله على ما كانت عليه؛ فوجب أن تكون لمعنى كسائر الأعراض» . التمهيد ـ ص 52.

(3) - ولهذه الدلالة تتمة عند القاضي عبد الجبار في المغني ـ 12/ 6؛ حيث يقول: «ولو كان الناظر ناظرا لأنه فعل النظر؛ لما جاز أن يعلم نفسه ناظرا مع فقد العلم بالنظر على جملة أو تفصيل، وتعلقه به على طريق الفعلية» ..وقد ذكر القاضي أن هذا رأي أبي هاشم في «نقض المعرفة» ، وهو الصحيح دون ما ذكره في «البغداديات» من أن الناظر إنما يكون ناظرا لأنه فعل النظر، على وفاق رأي أبيه أبي علي الجبائي؛ معتلين بأن الناظر طالب للمعرفة، ولا يجوز أن يكون كذلك إلا وهو فاعل للنظر. وقد استبعد القاضي ذلك بأن كونه طالبا يقتضي أن يفعل ما به يلتمس المطلوب من علم أو ظن؛ لكنه لا يدل على أنه لا يوجب للجملة حالا، وأنه لو فعل مثل هذا النظر في غيره لا يكون ناظرا. وقد قال الشيخان معا: إن المريد لا بد من أن يكون قاصدا أو مختارا للفعل في الحال، وتكون إرادته جهة للفعل، ولا تكون كذلك إلا وهي من فعله. ولم يوجب ذلك القول عندهما أنه صار مريدا لأنه فعل الإرادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت