فهرس الكتاب
لم ينحسم داء (المتعة) في مجتمعاتنا لأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -
منعه أو حرمه متوعدًا عليه بالعقوبة الشديدة والتنكيل الفظيع. فكم من فكرة أو ممارسة حاربها الحكام بكل ما أوتوا من قوة فلم يفلحوا! ثم عادوا وعاد الناس من حيث بدأوا.
فحتى لو لم ينه عن المتعة عمر. وحتى لو كانت الأدلة الشرعية متأرجحة، أو أن الشرع قد ترك موضوعها مفتوحًا بلا حسم أو ترجيح كما قد ترك عددًا من الموضوعات مفتوحة لحكم الزمن، فنمت وترعرعت، أو ذوت وتراجعت وفقًا لموقف المجتمع منها طبقًا لثقافته. خذ الرق مثلًا، أو شكل نظام الحكم - فإنه لا يمكن لممارسة كهذه أن تنمو وتترعرع لتمسي ظاهرة مقبولة في مثل مجتمعاتنا لتناقضها مع ثقافتنا. وأقصد بالثقافة أخلاق المجتمع ونفسيته وعقليته الجمعية، وأعرافه وتقاليده، ومرتكزاته الفكرية - وأهمها الدين - وما انبنى عليها من مضامين، وتراكم من تراث بفعل تطاول الزمن.
إن هذا النوع من العلاقات الجنسية لا يمكن أن يكون له وجود في مجتمعنا لأن ثقافة هذا المجتمع تلفظه، وترفضه كما يرفض الجسم السليم المعافى دخول جسم غريب عليه، مهما كانت المبررات، ومهما ابتغي إليه من حيل.
كما أنه بالمقابل لا بد أن يكون له وجود، ولا بد أن يترعرع ويجد له رعاية ودعاية في مجتمع آخر له ثقافة أخرى تقبله وتؤويه، وتحرص عليه وتنميه، مهما كانت الأدلة المانعة، والأسباب الطارئة الدافعة! فإنها ستدفع في وجهها، أو تتحايل عليها بما يتوافق وتلك الثقافة.
فالخلاف إذن خلاف بين ثقافتين مختلفتين، وتعبير عن صراع بين حضارتين متناقضتين: ثقافة وحضارة تقبله، وتعمل على فرضه وتصديره، وثقافة وحضارة ترفضه، وتعمل على قمعه وتحجيمه.