فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 45

والصراع الحضاري صراع معقد وعميق.. صراع تحاول فيه كل حضارة أن تجتاح الأخرى أو تزيحها لتحل محلها في كل عناصرها ومقوماتها: في دينها وعقيدتها، وقوميتها وأصالتها، ولغتها وآدابها، وثقافتها وتراثها، وقيمها وأخلاقها، وتقاليدها وعاداتها، وتأريخها وأمجادها، وتطلعاتها وأهدافها، وحاضرها ومستقبلها. اللهم إلا إذا كانت الحضارة قد بنيت على أساس مكين من إنسانية التعاليم السماوية، أو فيها قبس منها فتكون حضارة بحق، وليست مدنية زائفة تهتم بالبنيان على حساب الإنسان وعلاقته بأخيه الإنسان.

هكذا كان صراعنا مع الشرق.

وهو صراع قديم.. بدأ مع فجر التأريخ قبل أكثر من خمسة آلاف عام! واستمر طيلة هذه الحقب المتطاولة من الزمان!! وسيستمر ما دام هناك ثقافتان مختلفتان.. وحضارتان متناقضتان متصارعتان.

أسلوبان للصراع

والحضارات في صراعها للتعبير عن عناصر وجودها تتخذ أسلوبين من أساليب الصراع، يختلفان في الصورة والشكل، لكنهما يتفقان في الحقيقة والأصل، ويلتقيان في الغاية والهدف. وذلك حسب الحال من القوة والضعف: فحين تكون الحضارة قوية مسيطرة يكون التعبير واضحًا مكشوفًا. وعندما تشعر بالضعف تلجأ إلى أساليب خفية تتغلغل من خلالها إلى مفاصل الحضارة الأخرى لهدمها والحلول محلها. فتنعكس في لقطات مصغرة، وتظهر في تعابير جزئية مختلفة تحتاج إلى وصل ما بينها لتشكيل الصورة الكاملة الواضحة التي يراها كل ناظر معبرة بحق عن حقيقة الحضارة المعينة، وإلا فاتت حقيقتها على الإنسان العادي الذي ليس من عادته - ولا قدرته - أن يركز كثيرًا على المرئيات، أو يتعمق في تحليل الأحداث والجزئيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت