فهرس الكتاب
الثانية: هداية العقل: فالعقل هداية أعلى مرتبة من هداية الحواس، فإذا أخطأت الحواس صوبها العقل. ولكن العقل أيضا يتميز بالقصور والمحدودية، وثبت أنه أيضًا يخطيء في أشياء كثيرة، ولا أدل على ذلك من إختلاف الفلاسفة فيما بينهم، فترى أحدهم يثبت ما نقضه الآخر، ويأتي الثالث فينقض ما أثبته الثاني، وهكذا دواليك. ومما يدل على قصور العقل ومحدودية أفقه، أنه لا يعلم بأمر روحه التي بين جنبيه، والتي تلازمه طيلة حياته، ولا تفارقه إلاّ عند الموت. فكيف يراد له أن يعلم كل شئ؟ اللهم إلاّ إذا ربطنا الأدلة العقلية بالأدلة النقلية ( هداية الوحي ) ، أمكن حينئذ تفادي خطأ العقل وقصوره. ( ففتح الباب له على مصراعيه يشكل الخطر العظيم على الشريعة) ( [102] ) .
كما أن من رحمة الله تعالى بعقل الإنسان، هو تقبله لكثير من الأمور التي يستعملها، أو يستخدمها دون أن يُخضعها لعقله، لمعرفة كُنهها، وطريقة صنعها وعملها. فالكثير من البشر يستخدمون الهواتف الخلوية، ويقضون ساعات من أوقاتهم أمام شاشات الفضائيات، ولكن كم منهم يعرف كيف يعمل هذا الهاتف، أو كيف تستقبل الشاشات الفضائية الصور والكلام عبر الأقمار الإصطناعية. وكم منهم بحث فيها قبل أن يستخدمها. وكم منهم إمتنع عن إستخدام هذه الأشياء حتى يعرف طبيعة عملها؟
وهكذا يجب أن يكون العقل مع الوحيين ( الكتاب والسنة ) ،فليس من الحكمة رد أمر ما جهلت عقولنا حكمته أو علته، أو إرجاء الإيمان به حتى ينجلي الأمر ويتوضح لنا، بل إذا جاء الأمر من الله تعالى أو من رسوله r أن نقول: سمعنا وأطعنا، وهذا هو ديدن الراسخين في العلم الذين يقولون: ] آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [[آل عمران: 7] .