فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 355

فالأول: لا يقوله عاقل، فإن ما هو ثابت في نفس الأمر ليس موقوفا على علمنا به فعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في نفس الأمر. فما أخبر به الصادق المصدوق هو ثابت في نفسه سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه وسواء صدقه الناس أو لم يصدقوه كما أن رسول الله حق وإن كذبه من كذبه كما أن وجود الرب تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حق سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه. فلا يتوقف ذلك على وجودنا فضلا عن علومنا وعقولنا، فالشرع المنزل من عند الله مستغن في نفسه عن علمنا وعقلنا ولكن نحن محتاجون إليه وإلى أن نعلمه بعقولنا فإذا علم العقل ذلك حصل له كمال لم يكن قبل ذلك وإذا فقده كان ناقصا جاهلا.

وأما إن يراد به أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل على صحته وهذا هو مراد من يقول هذا القول.

فيقال له: أتعني بالعقل هنا القوة والغريزة التي فينا؟ أم العلوم المستفادة بتلك الغريزة؟

فالأول: لم ترده وتمتنع إرادته بأن تلك الغريزة ليست علما يمكن معارضته للنقل وإن كانت شرطا في كل علم عقلي أو سمعي وما كان شرطا في الشيء امتنع أن يكون منافيا له. وقد بيّنّا ذلك في معنى العقل.

وإن أردت العلم والمعرفة الحاصلة بالعقل. قيل لك: ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا للسمع ودليلا على صحته فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف على ما به يعلم صدق الرسول من العقليات وليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق الرسول بل ذلك يعلم بالآيات والبراهين الدالة على صدقه.

ومتى ما تيقن العقل وحدث له العلم اليقيني بالنبوة بالمعجز، وجب عليه أن ينقاد له، ويصدقه في كل ما يخبر به النبي، لأن الرسل لا تأتي بمحالات العقول، بل قد يأتون بأمور يُحار فيها العقل، ولا يستقل بمعرفته.

إذن فهل يتعارض العقل مع النقل؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت