فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 355

إن وظيفة العقل إنما هي الفهم عن الله تبارك وتعالى لأوامره، وترك تعدي حدوده، والإقرار بأنه سبحانه فعال لما يشاء، بعد أن يستيقن ويؤمن بالله تعالى ورسوله. فليس له أن يعارض أو يحلل ويحرم، فهذا من التقديم بين يدي الله تعالى ورسوله r ، وهو محرم على المؤمن بموجب قوله تعالى: ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [[الحجرات: 1] .

وقول البعض: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم العقل لأنه لا يمكن الجمع بينهما ولا إبطالهما ولا تقديم النقل لأن العقل أصل النقل فلو قدمنا عليه النقل لبطل العقل وهو أصل النقل فلزم بطلان النقل فيلزم من تقديم النقل بطلان العقل والنقل فتعين القسم الرابع وهو تقديم العقل.

إن هذا الإطلاق ليس بصحيح، لأن العقل شرط في العلوم، وما كان شرطا في الشيء إمتنع أن يتعارض معه، ولكن الصحيح أن يقال: إذا تعارض دليلان سمعيان أو عقليان أو سمعي وعقلي فإما أن يكونا قطعيين وإما أن يكونا ظنيين وإما أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا. فأما القطعيان فلا يمكن تعارضهما في الأقسام الثلاثة لأن الدليل القطعي هو الذي يستلزم مدلوله قطعا فلو تعارضا لزم الجمع بين النقيضين وهذا لا يشك فيه أحد من العقلاء. وإن كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا تعين تقديم القطعي منهما.

أما إن كانا ظنيين صرنا إلى الترجيح ووجب تقديم الراجح منهما سمعيا كان أو عقليا. فهذا تقسيم واضح متفق على مضمونه بين العقلاء. فإذا قدر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي لا لأنه عقلي فعلم أن تقديم العقلي مطلقا خطأ وأن جعل جهة الترجيح كونه عقليا خطأ وأن جعل سبب التأخير والاطراح كونه نقليا خطأ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت