فهرس الكتاب
1.العقل يحكم حكما قطعيا بقبح الحكم والتكليف مع عدم البيان، لأنه تكليف ما لا يطاق. يقول الرب عز وجل: ] وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ [الإسراء: 15] . وهذا العذاب لا يشمل العذاب الدنيوي فقط كما يقوله البعض، بل يشمل عذاب الآخرة أيضا؛ يقول الرب عز وجل: ] كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [[الملك: 8 - 10] . فالخزنة لم يسألوهم عن مخالفتهم للعقل، بل سألوهم عن مخالفتهم النذير، بل هم أنفسهم إعترفوا بأنهم لم يكونوا عقلاء، إذ لو كانوا عقلاء لأهتدوا إلى قبح الشرك وأتبعوا النذير. ومن المعلوم أن نفيهم للعقل لا يعني أنهم كانوا فاقدين للعقل، لأن فقدان العقل مانع من موانع التكليف والعقاب. إن الحق تبارك وتعالى بين لنا في كتابه الكريم أنه لو عذب الناس على فعل ما تقَّرر في قضايا العقول قُبْحُه لاحتجوا عليه بمؤاخذته إياهم على شيء لم يثبت قُبْحهُ شرعًا لا بإرسال رسول ولا بإنزال كتاب وإنما بمجرد دلالة العقل، ولو كان العقل حقًا مستقلًا بذلك لما صح منهم هذا الاحتجاج، وفي ذلك يقول سبحانه:] وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [[طه: 134] .