فهرس الكتاب
· لماذا كان ابن عباس يتحسر ويبكي حتى يبل دمعه الحصى، ويقول: ( الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله r وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب ) ؟ هل كان يعلم ما سيكتبه النبي ولهذا كان يتحسر ويبكي؟ أتراه كان يظن أن هذا الكتاب كان في خلافة علي، لذا كان يتحسر على فوتها؟ أم أنه كان يظن أن هذا الكتاب كان في خلافة أبي بكر، فكان يتحسر على عدم تأكيد النبي لها؟
أما خلافة أبي بكر فإن أحاديث أهل السنة قد دلت على أن النبي r ترك كتابة الكتاب فيها من دون معارضة من أحد، لعلمه r أن المسلمين لا يجتمعون على غيره، فقد جاء في الحديث عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ r في مَرَضِهِ: ( ادْعِى لِى أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا فَإِنِّى أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولَ قَائِلٌ أَنَا أَوْلَى. وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلاَّ أَبَا بَكْرٍ ) ( [38] ) . فالنبي r ترك الكتابة هنا دون وجود من يعارضه لأنه عَلِم أن إختيار المسلمين له وعلمه r بذلك أولى من أن يفرضه عليهم، ( ذلك لأن النبي r لو عيّن واحدًا فقد يختلف حاله ويجب عزله، فقد كان يولّي في حياته مَنْ يُشكى إليه فيعزله، كما عزل الوليد بن عقبة، وعزل سعد بن عبادة عام الفتح وولى إبنه قيسًا؛ وعزل إماما كان يصلي بقوم لما بصق في القبلة. فإذا كان في حياته r مَنْ يوليه ولا يقوم بالواجب فيعزله، أو يأمر بعزله؛ كان لو ولى واحدا بعد موته يمكن فيه أن لا يقوم بالواجب، وحينئذ فيحتاج إلى عزله، فإذا ولته الأمة وعزلته كان خيرا لهم من أن يعزلوا مَنْ ولاه النبي r. وهذا مما يتبين به حكمة ترك الإستخلاف) . ( [39] )
ألا ترى أن أبا بكر t أصر على بعث أسامة حال توليه الأمر رغم إعتراض بعض الصحابة، وقال: ( والله لا أحل راية عقدها رسول الله r ) لأن النبي r قال قبل موته: ( أنفذوا بعث أسامة ) . فلماذا يطيعون النبي r في كل شيء إلاّ في وصيه؟