فهرس الكتاب
كما أن المتعالم من أحوال علي التشدد في نصرة الدين والقيام بحق الله، لا تأخذه في ذلك لومة لائم. فكيف يُقال إنه كان يستعمل التقية في طول أيام أبي بكر وعمر وعثمان؟ وأكثر من هذا فقد إدعوا أن عليا كان في تقية في أيام خلافته. يقول المرتضى: ( فلعمري إن كثيرا من التقية زال عنه في أيام إمامته بزوال أسبابها، وبقي كثير من التقية لبقاء أسبابها، وبهذا لم ينقض جميع أحكام من تقدم ولا فسخ عقدهم، وأين أنصاره وأعوانه في الكثرة والتظاهر، والتوازر في أيام إمامته من أنصاره فيما تقدم) ( [78] ) .
ويقول الشيخ الطوسي في تلخيص الشافي: ( وليس لأحد أن يقول: إنه كان بعيدا من التقية لما إنتهت الإمامة إليه، وحين ناضل أهل البصرة وصفين، وكان واجد الأنصار، فكان يجب أن يظهر النكير. وذلك إن كثيرا من التقية ـ وإن كان زال في أيامه ـ فقد بقي كثير منها، لأن أكثر من كان معه يعتقد إمامة المتقدمين( [79] ) ، وإن إمامته ـ كما ثبت إمامة من تقدمه ـ بالإختيار، فلأجل ذلك لم يتمكن من إظهار جميع ما في نفسه، ولم ينقض أحكام القوم، وأمر قضاته أن يحكموا بما كانوا يحكمون) ( [80] ) .
ولا يخفى على اللبيب العاقل أنه لا يجوز التعلق بالتقية ولا يصح إدعاؤها متى لم يكن لها سبب معلوم، وهو الخوف الشديد وظهور إمارات ذلك، وكلها منتفية في عهد أبي بكر وعمر، وهم يعترفون بحرية اليهود والنصارى في عهد من سبق عليا، وإنهم لم يكونوا مستبدين، وكانوا متى ظهر لهم خطؤهم يتراجعون عنه، بل حتى المرأة تعارضهم فينزلون على رأيها ( [81] ) .
ثم إنه متى وقع الإكراه على علي مع القول بأنه تأخر ستة أشهر عن بيعة أبي بكر؟
الثاني: لأنه خاف أن يرتد المسلمون:
يقول الشريف المرتضى: (ما المنكر من أن يكون خاف من الإنكار من ارتداد القوم عن الدين وخروجهم عن الإسلام ونبذهم شعار الشريعة، فرأى أن الإغضاء أصلح في الدين من حيث كان يجر الإنكار ضررا فيه لا يتلافى) ( [82] ) .