الصفحة 111 من 316

وأيًّا كان الأمر، فقد قال بعضهم إن سبب معارضة الإمام لدار التبليغ - من حيث المبدأ - هو أنه عندما اصطدم بعض الناس بنظام الشاه واشتبكوا معه وهم في حالة نضال ضده، فإن «طرح مسألة أننا نريد تربية دعاة سيؤدي إلى شَغْلِ أفكار عديد من الناس بهذا الأمر» . [1] وهذا ينطبق بعينه على الموقف من جماعة الحجتية، غاية ما في الأمر أن دار التبليغ قسمت الحوزة إلى قسمين: ثوري وغير ثوري، وأوقعت الخلاف بين المراجع، في حين أنه قبل إنشاء هذه الدار لم يكن الأمر كذلك. [2]

(1) . خاطرات آقاي منتظري [مذكرات الشيخ منتظري] ، ج1، ص 215؛ مجله ياد، العدد 28 (خريف 1371 هـ.ش/1992م) ، ص 36 - 37.

(2) . خاطرات آقاي منتظري [مذكرات الشيخ منتظري] ، ص 216؛ ويضيف الشيخ منتظري قائلًا: «كان لدى شريعتمداري نوع من الأعمال الثقافية التنويرية العصرية، كان في حد ذاته شخصًا من دعاة الإصلاح، لكنه لم يكن يتمتع بشجاعة الاصطدام بالشاه.... هذا لا يعني بالطبع أنه كان مداهنًا للشاه أو متماشيًا مع سياساته، كل ما في الأمر أنه لم تكن لديه تلك الشجاعة للوقوف بوجه الشاه والاشتباك معه، التي كانت لدى السيد الخميني» . (المصدر نفسه، ص 217) .

... يمكن أن نفهم كلمة «مهادنة» على عدة معانٍ. إن وجود بعض الخصال النفسية، يؤدي - مع الأسف - في حوادث النضال وتقدم بعض المراجع الذين يَنْظُرُ إليهم آخرون كمنافسين لهم، كثيرًا ما تقع أعمال غير صحيحة؛ وهذا الأمر تواصل بعد انتصار الثورة، والصراعات الحزبية التي وقعت بعد الثورة على خلفية هذا الموضوع ذاته، كان سببها دوافع تنافسية وأخلاقية أكثر منها دوافع فكرية تنويرية، وقد خلقت هذه الصراعات صعوبات كثيرة. إذا تركنا مثل هذه الخصال النفسية جانبًا فإن أصل القول بأن المرحوم شريعتمداري، بسبب عدم امتلاكه للشجاعة اللازمة وكذلك من ناحية امتلاكه لأفكار سياسية مختلفة، لم يكن متفقًا مع مسيرة الثورة، هو قول صحيح لا خلاف عليه. ولكن رغم ذلك يبدو لنا أن سوء ظن بعض الثوريين تجاه دار التبليغ كان قد بلغ مرحلةً مفرطةً مبالغًا فيها. (انظروا إلى كلام السيد هادي خامنئي في مجلة «ياد» ، العدد 28، خريف 1371 هـ.ش/1992م) ، ص 39 - 41). كانت مواقف السيد شريعتمداري في مشارف إنطلاق الثورة مؤيدة لوجهات نظر الشخصيات والوجوه الثورية المعروفة. في الواقع كان المرحوم شريعتمداري، من الناحية الشخصية، يعتبر نفسه جديرًا بالزعامة، وبما أنه كان يعتقد أنه لا ينبغي اتباع أساليب وطرق متطرفة في العمل السياسي، كان من الطبيعي أن يتحول -من جهة- إلى منتقدٍ للإمام الخميني، وأن يصبح - من الجهة الأخرى - موضعًا لطمع النظام فيه. ولما التقى فيه شخص من جهاز السافاك (أي جهاز الأمن والمخابرات) بتاريخ 16/11/1356 هـ.ش (= 5/2/1978م) وسأله عن رأيه في الإمام الخميني؟ أجاب: «بأن الإمام الخميني رجع إليه في بداية الأمر عند طرحت مسألة جمعيات الولايات والمحافظات، وأراد منه القيام بأمور مخالفة، وبما أن الخميني كان صاحب منهج فكري وأسلوب متطرف، فإنه [أي شريعتمداري] لم يتعاون معه، ومنذ ذلك الزمن اتجه الخميني إلى معارضة شريعتمداري ومخالفته. وبعد ذلك لم يقع بينه وبين الإمام الخميني أي اتصال أو علاقة. كان يرى في الخميني عنصرًا مضرًّا بمصلحة البلاد والشعب» . ويضيف رجل الأمن (السافاك) قائلًا: «كان شريعتمداري يعتبر أن وجوده ووجود مذهب الشيعة رهين ببقاء مقام الملكية الشامخ، وكان يرى أن مساعي الخميني ضد نظام الملكية في البلاد خطر حتمي يهدِّد وجود الدين والمذهب والشعب، ولذلك السبب لم يكن يؤيده» . وقال إن السيد شريعتمداري قال مشيرًا إلى التطورات الأخيرة على مستوى البلاد، وما رافقها من أخطاء جزئية: «لقد تسببت تلك الأحداث في إيجاد عوامل لاتِّساع الاعتراضات» وأضاف يقول: «يمكننا أن نسقط الخميني في أنظار الناس ونتجاهله. إنه الآن قابعٌ في العراق، وإن لم يستفزَّه أحد فكل ما سيفعله هو أو أعوانه لن يكون له تأثير واسع» . انظر إلى نشرة جهاز الأمن (السافاك) الخاصة في كتاب: انقلاب اسلامى به روايت اسناد سافاک [الثورة الإسلامية طبقًا لتقارير جهاز الأمن والمخابرات السافاك] ، ج 2، ص 280 - 282.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت